لن يصل اجتماع لوزان لبحث الأزمة في سوريا إلى تسوية أو حل سياسي. مواقف الأطراف وأدنى أهدافهم لا تسمح بالتوصل لتسويات، ضمن الميزان والظرف الحالي للمواجهة القائمة في سوريا، بالأصالة أو بالوكالة. إلا أنّ أصل التوجه إلى لقاء سياسي، في ظل توتر وكباش غير مسبوقين بين موسكو وواشنطن، يحمل معاني ودلالات كبيرة جداً.

أولاً: التوجه الروسي ــ الأميركي نحو العودة إلى مسار سياسي، وإن لم يكن مؤملاً أن يصل إلى نتائج حاسمة، من شأنه أن يزيد من منسوب الإطمئنان إلى أن تلميحات الإدارة الأميركية بإمكان الإقدام على خيارات متطرفة ضد الدولة السورية، باتت عنصر ضغط تجاه الروسي، من المستبعد ترجمتها عملياً. تجاه ذلك، يبدو أنّ الثبات الروسي ورسائل القول والفعل لردع الأميركيين عن مباشرة تهديداتهم، تتجه نحو تسجيل انتصار كبير جداً، من المقدر أن تبني موسكو مواقفها عليه لاحقاً. وإذا تحقق بالفعل التراجع الأميركي عن التهديدات، وهو ما يبدو حاصلاً، فيمكن القول بلا تردد، إنّ هذا التراجع يأتي بطعم الهزيمة، في مقابل الانتصار الروسي.

لن يُثني التراجع الإدارة الأميركية عن محاولات ميدانية مقابلة

ثانياً: مع ذلك، انتصار روسيا المقدر في "اشتباك الردع" الأخير، هو انتصار مؤقت. فهو لم يأت، أو لن يأتي، نتيجة لإستسلام أميركي في الساحة السورية، بل لتعذر التصدي والمواجهة المباشرة. الواضح أنّ الإدارة الاميركية في حال تراجعها، وهو ما يبدو حاصلاً، تكون قد قررت ترحيل المواجهة إلى الإدارة المقبلة. برغم ذلك، دلالات التراجع وما يمكن أن يُبنى عليه لاحقاً، تتجاوز وصفه بالمؤقت. الواضح أيضاً أنّ الجانب الروسي أعلن انتصاره، وأدرك جيداً معنى ونتيجة الثبات والتصدي للإرادة الاميركية، وهو ما مكّن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، من إطلاق مواقف المنتصرين بقوله: "مستعدون للدخول في حوار مع واشنطن، لكن بشرط أن يؤدي إلى تنازلات".
ثالثاً: التراجع الاميركي، كما يبدو حاصلاً، سيمكّن الروس والجيش السوري وحلفاءهما، من مواصلة استعادة شرق حلب، رغم كل ما يرافق ذلك من صراخ غربي. استعادة شرق المدينة، بات فعلاً ميدانياً، صدر قراره، وهو في مرحلة التنفيذ الفعلي. مما يبدو من أقوال بلا أفعال، لأميركا ولحلفائها، أنهم استسلموا أمام الإرادة الروسية تجاه شرق حلب، أما الصراخ ورفع الصوت، فقد يكونان مخصصين وموجهين لما يتجاوز المدينة إلى ما وراءها وفي أعقابها، ولمنع الروس والجيش السوري من البناء على ما حصل، لمزيد من الانتصارات الميدانية.
رابعاً: في الوقت نفسه، لا يعني تراجع الولايات المتحدة مقابل اندفاعة الجيش السوري وحلفائه في الميدان، أن الولايات المتحدة قد استسلمت. نعم هي معنية بألا تتسبب بمواجهة مباشرة مع الجانب الروسي، الذي انزاح أخيراً نحو حلفائه وكاد أن يلتصق بهم، لكن التراجع لن يثني الإدارة الأميركية وحلفاءها عن محاولات ميدانية مقابلة وهي مقدرة في هذه المرحلة عبر وكلائها من الجماعات المسلحة، بهدف الموازنة الميدانية. لا يبعد تجميع المسلحين خارج حلب، وتمكينهم من معاودة المحاولة لتحقيق إنجاز ميداني ما، الأمر الذي يفترض بمعالمه أن تتضح قريباً، وإلا فستكون المحاولة متأخرة وبلا جدوى.
في العودة إلى مناسبة الحديث، أي اجتماع لوزان، فمن المفيد الإشارة إلى الآتي:
أولاً: يبدو أنّ موسكو أبعدت عقابياً، كلاً من باريس ولندن، عن المشاركة في لوزان. الفعل الروسي العقابي، يأتي نتيجة طبيعية لفظاظة فرنسية بريطانية في الفترة الأخيرة، وتحامل غير مسبوق ضد الجانب الروسي، بما يزيد عن حجمهما وثقلهما الفعليين.
ثانيا: حضور أو غياب إيران عن لوزان، كما تؤكد مصادر مطلعة، سيأتي قراره في الساعات الأخيرة وبقرار إيراني، بعد أخذ ورد داخليين حول المشاركة من عدمها. في هذا الاتجاه تجدر الإشارة إلى كيفية تطوّر الحضور الإيراني في لقاءات "الحلول السياسية"، من رفض مطلق لمشاركتها، إلى طلب مشاركتها لاحقاً، وصولاً إلى التردد الايراني من المشاركة. تطور يستأهل التأمل.
ثالثاً: إن كان من المقدر، إلى حد الحسم، بأن لا حلاً سياسياً أو تسوية ستتأتى من لوزان، لكن الاجتماع الموسع مع مشاركة اقليمية، بما يشمل الأميركيين والروس، تأكيد على ضرورة إنقاذ التواصل الذي كاد ينقطع في ظل التوتر بين الجانبين (الاميركي والروسي). في الوقت نفسه، لا يستبعد أن يخرج المجتمعون بتوصيات أو تفاهم أو حتى بخطة أولية، تلامس هدنة لن تتحقق لتعذر تكرار الخداع، ومعونات إنسانية قد تصل أو لا تصل، لكنها لن تحقق أهدافها.