ليست حرب اليمن أوّل "عاصفة" يشارك عادل الجبير في ماكينتها السياسية والإعلامية. عام 1990 أطلّ الأخير في مدينة الظهران السعودية، حيث "مكتب الإعلام المشترك" لعملية "عاصفة الصحراء" التي قادها الأميركيون بغية إخراج صدام حسين من الكويت. مذ ذاك، بدأ الحاصل على ماجستير في العلاقات الدولية من جامعة جورجتاون الأميركية (1984) صقل خبرته بهبوب "العواصف" على مقياس البيت الأبيض.

النجدي المولد، ذو البنية الهزيلة، دبلوماسي بالوراثة. السلك الذي تدرّج فيه ابن منطقة الرياض (مدينة المجمعة)، عمل في إطاره والده أحمد، وبالتحديد ضمن الملحقية الثقافية للسفارة السعودية في ألمانيا. هناك، بدأت المرحلة الأساس في بناء شخصية رأس الدبلوماسية السعودية الحالي، حيث عاش، بحكم عمل والده، وتلقّى تعليمه الأساسي، قبل الانتقال إلى الولايات المتحدة، والتخرج في جامعة شمال تكساس بإجازة في الاقتصاد والعلوم السياسية.
لم تمض سنتان على تحصيل الجبير شهادة الماجستير، حتّى تلقّفه الأمير بندر بن سلطان، سفير المملكة في واشنطن وقتها، واختار له وظيفة المساعد لشؤون الكونغرس، وهو لم يتجاوز بعد الرابعة والعشرين من عمره. سرّ هذه القفزة السريعة لم يكن في الواقع إتقان الشاب العشريني للغتين الألمانية والإنكليزية، أو عبقرية متفتّقة فريدة يتميّز بها صاحب الموهبة الخطابية، إلى درجة نسج معها البعض أوهاماً عن عصامية الرجل. غاية ما في الأمر أن المرشّح للالتحاق بأخطر الدوائر السعودية، كان ابن إحدى العائلات المخلصة لنظام لا يعرف الكثير عن العمل المؤسّساتي بقدر اعتماده على معايير الولاء الشخصي لأمراء الأسرة الحاكمة. الحديث هنا ليس عن والده أحمد فحسب؛ فنسيب آخر له يعدّ من أكثر الرجال المقرّبين لدائرة الحكم، من خارج آل سعود، وهو عمّه محمد بن إبراهيم المتسلّق غير منصب رفيع في النظام، أعلاها رئاسة مجلس الشورى.
شكّل زمن بندر بالنسبة إلى عادل الجبير حقبة ذهبية، نجح في استثمارها لمصلحة إعداد سيرة ذاتية مشوّقة. على مدى سنوات، وتحت جناح بن سلطان، حافظ الشاب على خطّه البياني التصاعدي، وهو يراكم في الصروح الدبلوماسية بين واشنطن ونيويورك خبرة ونجاحات، عرفت أصداء لا بأس بها في قصور جدة والرياض. فصار صاحب الهندام الغربي معتمَداً موثوقاً يعوَّل عليه لإحداث فرق على صعيد واحد من أهمّ الملفّات المصيرية والحسّاسة لدى السعوديين، ألا وهو العلاقة مع الدوائر الغربية، في مقدّمها الأميركية، ومخاطبة قنوات القرار داخل الولايات المتحدة، بهدف المحافظة على ضمانة النظام السعودي الأولى: متانة العلاقة بواشنطن.
عام 1999، أعيد الرجل إلى العمل ضمن سفارة بلاده في واشنطن، عقب تجربة طويلة في نيويورك كعضو البعثة السعودية إلى الأمم المتّحدة. كان بندر بن سلطان، كما يبدو، بارعاً في اختيار منصبه الجديد، إذ عيّنه مشرفاً على مكتب السفارة الإعلامي. فمن الإنصاف الإقرار بجدارة عادل الجبير الخطابية، وموهبته في التحدّث إلى الإعلام، بصورة هادئة يظهر أثناءها بشيء من الكاريزما والدماثة والحيوية، مع أناقة معتادة، وهو ما قد لا يمكن قياسه بحال سلفه سعود الفيصل. لكن المشكلة تكمن في أن هذا النجاح سيكون نجاحاً يتيماً للدبلوماسي الذي يُطلب منه لاحقاً لعب أدوار أكبر. والدبلوماسية، بطبيعة الحال، ليست مجرّد عمل إعلامي.

شكّل زمن بندر بن سلطان حقبة ذهبية بالنسبة إلى عادل الجبير
ب
يقرّب آل سعود ابن الجبير أكثر؛ عام 2000 سيعدّ مفصلياً في حياته، حين يجري اختياره مستشاراً خاصّاً لشؤون السياسة الخارجية في ديوان ولي العهد آنذاك، الملك الراحل عبدالله. وسيقفز سريعاً ليكون مستشاراً في الديوان الملكي، قبل أن يرقّى إلى مستشار برتبة وزير سنة 2005، ثم تقرّر المشيئة الملكية، بعد أكثر من عام، ترقيته ليتقلّد سفارتها في الولايات المتحدة (ولا شكّ في أن هذا المنصب، وفقط لدى بلاط آل سعود، أرفع بدرجات من منصب وزير دولة). لكن ما سرّ هذه الثقة المتواصلة بالرجل؟ فخلافة تركي الفيصل وبندر بن سلطان (المشغول في رئاسة الاستخبارات) ليست كمنح شاب عشريني وظيفة مساعد في السفارة عام 1986.
في الحقيقة، ملفّ واحد جعل من عادل الجبير حاجة لآل سعود. طوال الحقبة التي أعقبت أحداث 11 أيلول، لم يهدأ الجبير في استدراك الصدمة الأميركية من الهجمات، وما ولّدته من غضب ونقمة على الإسلام الوهّابي، بشكل عام، والسعودي منه بشكل أخصّ. نشط الجبير في إعانة بندر بن سلطان على دفع الأموال وتشبيك العلاقات من أجل خلق دعاية مضادّة أمام الرأي العام الأميركي ودوائر القرار، تبعد الشبهات حول المملكة في المسؤولية عن الهجمات، ولو بالحدّ الأدنى من الناحية الثقافية، لاحتكارها وحدها صناعة الفكر الوهّابي وتصديره. وبالفعل، نجح هذا المجهود السعودي، ولاقى آذاناً صاغية إبّان إدارة جورج بوش، وسرعان ما شهدنا خفوت الأصوات "المشمئزّة" من العلاقة مع المملكة. حفظ آل سعود لعادل الجبير هذا الجميل، وشملوه بعنايتهم الخاصّة مكافأة له على مشاركته الفعّالة في تخليصهم من الورطة.
قبل سنة ونيّف، رحل عميد الدبلوماسية السعودية، سعود الفيصل، (بصورة مفاجئة؟) فما كان من العهد الجديد (سلمان بن عبد العزيز) إلا المسارعة إلى اختيار عادل الجبير خلفاً للأمير المخضرم. قيل حينها إن الاختيار حسمه الظهور الشهير للرجل من الولايات المتّحدة، معلناً، وفق التوقيت الأميركي، الحرب السعودية على الجار اليمني. ربما تكون قراءة الكثيرين، أن حماسة محمد بن سلمان لاختيار الجبير وقتها كانت بدافع تكريم فريقه المشارك في الحرب، صحيحة، إلا أن العامل الأقوى يبقى جدارة الرجل في مخاطبة الأميركيين وتشبيك الصداقات معهم.
كثر يسألون اليوم ماذا حقق تعيين الوزير الجديد؟ ذروة هذه الأسئلة كانت قبل أيام مع إقرار الكونغرس الأميركي قانون "جاستا"، الذي سيسمح بملاحقة السعودية على خلفية هجمات 11 أيلول. لاحظ السعوديون (الذين يصعب تتبّع مزاجهم الشعبي بوسيلة بديلة من وسائل التواصل الاجتماعي، وموقع "تويتر" تحديداً) "تبخُّرَ" عادل الجبير، واختفاءَه غداة إقرار التشريع الأميركي، وانتشرت التغريدات التي تسأل "أين عادل الجبير؟". حتّى إن موقف إدانة تشريع الكونغرس، على أهمّيته، لم يصدر عنه شخصياً، بل وقّع باسم مصدر في الخارجية السعودية. ترافق ذلك مع استذكار البعض لشخصية سعود الفيصل، والتلميح إلى ما أحدث غيابه من فراغ.
ظهر عادل الجبير أخيراً في تايلاند، ومن ثم ظهر في تركيا. في المرّتين، انقطاع غيبة الوزير لم يكن كافياً لإبعاد سهام التشكيك في استمرار "صلاحية" الدبلوماسي الخمسيني. هل بالفعل انتهت صلاحية الرجل؟ وما عساه بعد أن يقدّم للنظام السعودي، مع كلّ هذا الفشل المتراكم على مدى الأشهر الماضية، لا سيما في ملفّ العلاقة بالأميركيين (سرّ الحاجة الوحيد إلى عادل الجبير)؟ أسئلة مبكرة فيما تبقّى للجبير من وقت ضائع، من الآن إلى انتهاء المعركة الرئاسة الأميركية، والتي قد ينجلي غبارها عن نتائج لا تقبل التهاون لدى الرياض، أو غضّ الطرف عن استمرار جني الفشل الدبلوماسي من كلّ حدب وصوب.
وتبقى هذه الأسئلة في الوقت عينه منطقية ومشروعة، وستلاحق وزير الخارجية السعودي في الأيام المقبلة، وقد لا تبقي أمام الجبير، وفق منتقديه، فرصة سانحة لتحقيق النجاح سوى بالعثور على منصب إعلامي يقتصر دوره فيه على ترداد الخطابات وإجراء الحوارات الإعلامية، حيث يبرع.