يستوطن الخارجَ من دمشق باتجاه الجنوب قلق خاص، فبوصلة «الثورة» تشير إلى الجنوب، منذ بدء تغيير حال البلاد وسقوطها في دوامة عنف لا ينتهي. بالقرب من قرية نجها ومفرق الكسوة، يمكن إلقاء نظرة على مناطق منسيّة بفعل الحرب، وربما مهمَلة قبلها أصلاً. يسأل الجندي على الحاجز: «إلى أين الطريق؟»، فيأتيه الجواب: «السويدا». يصمت ويقلّب البطاقات الشخصية ويسأل المرافق: «كيف الوضع؟». يجيب الجندي: «أمان ومو أمان»، إجابة تختصر الوضع في السويداء منذ بداية الحرب، وكأن المنطقة ترقد على فوّهة بركان لا يثور، أسوةً بكثير من المناطق التي بقيت خارج سيطرة الفصائل الإسلامية المختلفة، باعتبار سكانها من الأقليات «المدللة» شكلياً من قبل النظام، فيما تُرك لها بعض الامتيازات كي تبقى «طيبة هادئة». الأمر ذاته يسري في مناطق أخرى كالساحل ومناطق حكم الأكراد، إلى «أن يقضي الله أمراً كان مفعولا»، فتتحول هيبة الدولة الخجولة إلى انفجار غير محمود العواقب.

مع التقدّم جنوباً، تصادفك لوحة طرقية تشير إلى مفرق الغزلانية التي تُعَدّ واحدة من مناطق كثيرة حفظها السوريون، بفعل أخبار الاشتباكات والمعارك والتغطية الإعلامية غير المسبوقة للحرب. أراضٍ شاسعة جرداء تتناثر ضمنها بيوت متفرقة ومنشآت اقتصادية متواضعة ما زالت تشكل العصب الضامن لبقاء الدولة في الجنوب. ظهور الحجارة السوداء يعلن دخول أراضي حوران.

آلام المدينة... شهداء وسوء خدمات

في محطات الوقود هنا، ستختبر خصوصية المدينة، في المجال الخدمي، إذ ستعجز عن ملء سيارتك بالوقود، وعليك أن تُظهر بطاقة خاصة تستخدم على محطات الوقود، أسوة بما يفعله سائر أبناء المدينة. هذا ما سيصادفك قبل أن يظهر أمامك جبل مهيب مجلل بالسواد. الشموخ يظهر في كل شيء... في أعين الناس الطيبين، وأشجار الأرض العطشى، وصولاً إلى قبور الشهداء المتناثرة في كل مكان. يفاجئ زوار المدينة صروحٌ لها بضع درجات رخامية، تقودك إلى أعلى القبر الجليل، إضافة إلى سقف هرمي يوحي بتميّز البيت الأخير للفقيد الغالي. يقول أبو أدهم، رجل ستيني من أبناء المدينة: «الشهيد مدفون في التراب بالطبع، غير أن علوّ الصرح يشير إلى أهمية الفقيد. قبور الموتى العاديين منخفضة كما القبور في سائر المدن السورية». الرجل الذي يرتدي لباس المنطقة التقليدي ويلقي الشعر بالعامية للترحيب بضيوف الجبل وهو يصنع القهوة بيديه، يشرح حياة الأهالي في ظل حماية الجيش وقوات «الدفاع الوطني» من أبناء المنطقة، بوجود خطر «داعش» القريب، وبقية الفصائل المسلحة على أطراف الريف ذي الحدود المشتركة مع مدينة درعا. أما أم أدهم، فهي تشكو قلة المياه خلال السنوات الأخيرة، ما أثّر في إنتاج مزرعتها الصغيرة، أو ما يمكن أن يسمى حديقتها الصغيرة.

«أمان ومو أمان»، إجابة
تختصر الوضع في السويداء
منذ بداية الحرب

... وخطف أيضاً

النفَس المعارض الواضح في المدينة ضاع بين أصوات الحكمة والتهدئة التي تقضي بتجاوز محنة البلاد، رغم الكثير من محاولات «استثارة نخوة» أهالي الجبل للمشاركة بـ«الحراك السلمي» مع بداية الأحداث السورية. يرى سالم، ابن المدينة الثلاثيني، أن المدينة التي تستقبل يومياً شهيداً أو أكثر في جنازة لائقة، والتي «انضبطت» خلال الحرب رغم جميع صيحات التحريض للتمرد، تستحق أن تولى اهتماماً خاصاً، مضيفاً: «برغم أن المنطقة غنية بالآبار، فقد سبّب المسؤولون، لا غيرهم، أزمة المياه». ويرى قيس الشاعر، وهو مغترب يمضي إجازته في السويداء، أن حوادث الخطف هي أصعب ما تعانيه المنطقة، عازياً سب فقدان الأمن إلى انتشار تهريب الوقود. ويضيف: «أزمة الكهرباء مستمرة في ظل تقنين غير منظم. فيما دخلت أزمة المياه على خط الحاجة، دون توافر البديل لدى مؤسسة المياه». ويرى أن السويداء تعاني غياب القانون، باعتبار أنّ القائمين على تطبيقه مغيّبون أو مستفيدون من الفوضى المستمرة. اغتيالات وتفجيرات وأعمال شغب عديدة فشلت في إلحاق السويداء بركب «الثورة السورية»، في ظل تحالف حقيقي بين أبناء المدينة ووجهائهم مع الدولة، التي تهتم بمطالبهم، على الرغم من رداءة الخدمات في السويداء. وكما كل المناطق التي عانت ويلات الحرب، تتواصل الخشية من احتمال دفع المدينة ثمن جيرتها مع عاصمة «الثورة» الجنوبية، درعا.

أعمال الشغب المنتظرة... والإعلام

تشي زيارة المدينة، بالتوازي مع «أعمال الشغب» التي تشهدها المدينة والمعارك الدائرة في الأرياف المتقاطعة مع درعا، بأن الرحلة قد لا تكون وفق الأمنيات. هكذا ــ بكل بساطة ــ بثّت وسائل إعلام معارضة من سجن السويداء، قبل أكثر من شهر، تمرداً قام به سجناء جدد لا ينتمون إلى المدينة، نُقل معظمهم في الفترة الأخيرة من سجن حماه، كذلك صادر رجال الأمن 200 هاتف محمول وعدداً كبيراً من أجهزة الاتصال. الاستعصاء داخل السجن تطور إلى محاولة للسيطرة على مستودع الذخيرة بعد احتجاز عدد من عناصر حراسة السجن، في «نية للهجوم على المدينة من قلب السجن» وفق معلومات من المحافظة. المعلومات تحدثت عن تطويق رجال الأمن للسجن وسط فوضى عارمة سادت المكان، بالتزامن مع قطع خدمة الإنترنت في المدينة إلى أن ضُبطَت الأوضاع.
أبناء السويداء لم يكونوا معنيين تماماً بالهرج الحاصل داخل السجن، حيث كان عدد من أقارب وأصدقاء الشاب ريان أبو فخر، الذي وقع ضحية جريمة قتل، معتصمين أمام مبنى المحافظة للمطالبة بتنفيذ حكم الإعدام بحق القتَلة، ومن بينهم فتى من آل بلان، الذين سارعوا إلى التبرؤ منه قبل أن تتحول جريمته إلى أعمال ثأر متبادلة بين عشائر السويداء، التي يرفض أبناؤها النوم على ضيم. وفي آخر التطورات لحادثة الاستعصاء، خُطف رجل وابنه على طرق القريا ــ السويداء،الشهر الفائت، وطلب الخاطفون الإفراج عن بعض الموقوفين في السجن لمبادلة المخطوفَين بهم، وهو ما عدّه بعض أبناء المنطقة خرقاً أمنياً خطيراً لا يبشّر بأي خير قادم