أسبوع حافل فلسطينياً بعد ركود سياسي لأشهر، وتحديداً منذ توقف جلسات «المصالحة الداخلية»: محمود عباس لا يزال وسط العاصفة التي أثارها على نفسه بمشاركته في جنازة شمعون بيريز، ثمّ إجرائه عملية في القلب تحت استنفار أمني وحراسة مشددة. محمد دحلان ينتقل من غطاء الشركات ومؤسسات الأبحاث إلى العمل العلني بغطاء مصري ــ عربي لينظم مؤتمراً جامعاً لتياره في مصر حضره نصف المدعوّين على الأقلّ. حركة «حماس» تلوّح بورقة إعادة تأليف حكومتها في غزة والانفصال عن رام الله ما دامت الأخيرة لم تحلّ أزمة الرواتب التي تتدبرها الحركة بـ«شقّ الأنفس».

هذه الأحداث، والتقاطعات بينها: كإصرار عباس على رفض المصالحة مع دحلان، أو إتمامها مع «حماس»، وكذلك ملل الأخير من انتظار «موت أبو مازن»، وملامح تلاقي المصالح بينه وبين «حماس»؛ كلّها تؤكد أن سيناريوهات تغيير كبيرة مقبلة على تركيبة السلطة الفلسطينية، ومصير ارتباط غزة بالضفة. وبما أن عباس قرر حتى الرمق الأخير التمسّك بكرسيّ الرئاسة، ومحاربة عودة دحلان إلى المشهد السياسي مع نيّته الدفع قريباً بمنصب نائب للرئيس، فإن التوقعات بانسحاب هادئ تذهب أدراج الرياح.

الاعتداء الأخطر كان على مطلق شرارة الإضرابات الفردية خضر عدنان

المشهد الأكثر سخرية كان خروج عباس بعد العملية لطمأنة الخائفين منه وأعدائه، على سواء، إلى أنه بخير، ثم تنبيه مرافقه له إلى أن مراسل التلفزيون الرسمي للسلطة هو «من جماعتنا»، حتى يعطيه الحديث بكل أريحية. تلخّص هذه الثواني الهاجس الأساسي الذي يعيشه عباس، وحالته الصحية المتردية. وهو ما دفعه، ربما، إلى إبراز «كرمه»، بالعفو عن أحد المسؤولين العسكريين في السلطة، المقدم أسامة منصور، المعروف بـ«أبو عرب»، من حكم بالسجن لمدة عام والفصل من الخدمة، بعدما انتقد الأخير مشاركة عباس في جنازة بيريز.
«الكرم العبّاسي» ظهر كمحاولة للملمة ما تبقى من ماء الوجه، في ظل أن الجرأة وصلت بمناصري دحلان إلى تنظيم مسيرة في غزة وضعوا فيها صوراً لرئيس السلطة يظلّله علم إسرائيل، ثم بادروا إلى حرقها، أمام عين عشرات العدسات والصحافيين... وكلّ ذلك بإذن من «حماس»، التي لم يمرّ أسبوع على المسيرة الدحلانية حتى منعت أجهزتها الأمنية انعقاد مؤتمر عنوانه «إنهاء الانقسام».
صحيح أن هذه المؤتمرات لا تقدم ولا تؤخر في حقيقة الانقسام، ولكن لعب السياسة على الأقل يتطلب من الحركة الإسلامية أن تكون أكثر حنكة من أن تكون متّهمة بإذكاء الانقسام، وخاصة أنها تتوهم أن مساهمتها في تعزيز الانقسام الفتحاوي الداخلي قد يجعلها تتسيّد الساحة لوقت من الزمن، مع أنها لا تنسى ماذا يمثل محمد دحلان في أدبيّات عناصرها وقادتها.
المشكلة أن السلطة لم تُبق من ماء الوجه شيئاً، بل كل سيئة يقدمها عبّاس تتحول إلى حسنة لدحلان. آخر تلك السيئات كان الاعتداء الأخطر من سلسلة التهجّمات المتكررة على الأسير المحرر ومطلق شرار الإضرابات الفردية عن الطعام، خضر عدنان. ففي الأسبوع نفسه، تحدث الرجل عن محاولة لاغتياله، خلّصته منها ــ لسوء الطالع ــ الأجهزة الأمنية، التي لم تُقْدم كالعادة على اعتقال المُعتدين من «زعران» السلطة نفسها ومحاسبتهم. ما حدث، بغض النظر عن عدم تأذي عدنان هذه المرة، هو فضيحة مدويّة على الصعيد الوطني، وخاصة أن الحديث يدور عن رمز يخص فلسطين عالمياً والحركة الأسيرة داخلياً.
ما يتندّر به الشعب الفلسطيني قد يصير حقيقة غداً، والذي يسأل كيف لمحمود عباس أن يكون رئيساً على الفلسطينيين، قد يسأل غدا كيف صار محمد دحلان رئيساً. بذلك سنكون قد قدمنا أعجب تراتبية رئاسية قبل أن نحصل على فتات «الدولة»: من فاتح مشروع أوسلو والنادم عليه لاحقاً، إلى مهندسه وكاره المقاومة، وليس أخيراً ربيب التنسيق الأمني مع إسرائيل، وحالياً مع «الرباعية العربية».
بينما تترنّح «فتح» على وقع مشكلاتها المتلخّصة بالنفوذ وبالسيطرة، لا بغلبة التيار الذي يرغب في تفعيل المقاومة فيها على تيار «المفاوضات حياة»، تلتزم «حماس» صمتاً سياسياً يمكن وصفه بالترقّب. حتى إن الاستفزازات الإسرائيلية الأخيرة، وتكرار السلفية الجهادية سياسة الضغط بالصواريخ لجرّ قصف إسرائيلي مركّز ومبنيّ على معلومات استخبارية لضرب قدرات الحركة، لم يدفعا الأخيرة إلى أي نوع من الردّ، ما دام الذي يمكن تحصيله بالسياسة قريباً أهم من تكرار تجربة حرب جديدة تنتهي مفاعيلها بدمار كبير وخسارة سياسية كبرى.
أيضاً، لا يبدو أن زيارة إسماعيل هنية الخارجية قد أتت نتائج مهمة، في ظل بقائه غالبية الوقت في قطر، دون التحرك إلى الدول المتحالفة مع «حماس» أو التي هي على مسافة منها، وهو ما يطرح أسئلة عن طبيعة ما يدور بالضبط في أروقة الحركة، وما سيتبعه من تغيرات على تحالفاتها الراكدة منذ أكثر من عام.