بعد أشهر من التوتر الذي رافق «وثيقة الإصلاح الاقتصادي» الحكومية، حلّ أمير الكويت صباح الأحمد الصباح، مجلس الأمة (البرلمان)، وذلك غداة إعلان رئيس المجلس مرزوق الغانم تأييده إجراء انتخابات نيابية مبكرة.

وبرر الصباح قراره ببروز «خلل في العمل البرلماني» وتحول مجلس الأمة إلى «ساحة للجدل العقيم والخلافات وافتعال الأزمات». وقال الصباح في خطاب تلفزيوني: «إن العمل البرلماني انطوى على انتهاك للدستور وللقانون، وتجاوز لحدود السلطات الأخرى، وتدني لغة الحوار على نحو غير مسبوق تحقيقاً لغايات قصيرة ضيقة على حساب مصلحة الوطن».
الإجراء الذي لا يُعدّ غريباً عن تاريخ الكويت، ذات أول برلمان في الخليج (انتخب أول مجلس أمة في الكويت عام 1963)، يأتي في ظروف اقتصادية حسّاسة، ويتضمن أهدافاً سياسية أيضاً، إذ إن الدعوة إلى انتخابات مبكرة ترمي إلى منع المعارضة التي قاطعت انتخابات تموز 2013 من الاستعداد لخوض الانتخابات الجديدة، وبالتالي إضعاف فرصها في الفوز بنصيب معقول من مقاعد البرلمان. وفيما لم يحدد المرسوم الذي أصدره الصباح لحلّ المجلس موعداً لإجراء الانتخابات المبكرة، من المفترض بموجب الدستور، إجراء انتخابات نيابية مبكرة في غضون شهرين من موعد الحل.

صدر قرار قضائي ابتدائي يقضي ببطلان قرار رفع سعر البنزين

ويأتي الإجراء بعد فشل قرار أخير للحكومة في امتصاص غضب المواطنين من ارتفاع أسعار البنزين، جراء سياسة رفع الدعم التي اعتمدتها الكويت أخيراً. وكان القرار قد أقرّ منح المواطنين كميات مجانية من البنزين شهرياً لتعويضهم عن ارتفاع أسعاره بعد خفض الدعم. القرار الحكومي جاء تحت ضغوط نيابية، لكنّ الشارع عدّه أقل من اللازم وتعطيلاً جزئياً لـ«وثيقة الإصلاح الاقتصادي» التي سعت إلى «إصلاح الميزانية العامة وإعادة رسم دور الدولة في الاقتصاد وزيادة دور القطاع الخاص».
وشهد البرلمان صدامات مع الحكومة أخيراً بعد القرارات الاقتصادية الاشكالية، ما أدى إلى احتجاجات برلمانية واستجوابات انتهت بقرار قضائي ابتدائي يقضى ببطلان قرار رفع سعر البنزين وبإعادة السعر القديم في حكم قابل للاستئناف، فيما قدمت الحكومة مقترحاً بتزويد المواطن الكويتي بـ 75 لتر بنزين شهرياً. كما اشتد الصراع بين البرلمانيين والحكومة أخيراً حيث جرى استجواب عدد من المسؤولين، إضافة إلى طلبات أخرى كان قد قدمها نواب برلمانيون.
ويوم الخميس الماضي، استُجوب الوزير أنس الصالح بتهمة «سوء الإدارة والعشوائية إضراراً بمصالح المواطنين متمثلةً في الزيادة غير المدروسة أو المبررة لأسعار الوقود والتفريط في حماية مصادر النفط وضياع ثروات البلاد وافتقاد الصدقية في التعاون مع أعضاء مجلس الأمة».
وأوردت وكالة «كونا» الرسمية، أن الأمير الصباح اعتمد قرار حل مجلس الأمة «بعد الاطلاع على المادة 107 من الدستور ونظراً للظروف الإقليمية الدقيقة وما استجد منها من تطورات، وما تقتضيه التحديات الأمنية وانعكاساتها المختلفة من ضرورة مواجهتها بقدر ما تحمله من مخاطر ومحاذير، الأمر الذي يفرض العودة إلى الشعب مصدر السلطات لاختيار ممثليه».
وكان مرزوق الغانم قد قال أول من أمس، في تصريحات لقناة «الراي» الكويتية إن البلاد تمر في مرحلة «دقيقة واستثنائية»، وتشهد «تحديات أمنية اقليمية واقتصادية وداخلية وخارجية». وأضاف «هذه المرحلة لن نستطيع تجاوزها ما لم يكن هناك فريق حكومي جديد ... والعودة الى صناديق الاقتراع»، مؤكداً أنه أبلغ «وجهة النظر الشخصية هذه إلى القيادة السياسية وأن القرار النهائي بيد الأمير».
وتعود المشكلة المتفاقمة بين المؤسسات الدستورية، في الأصل، إلى تضرر الكويت من هبوط أسعار النفط خلال العامين الماضيين، إذ تعتمد الدولة العضو في منظمة «أوبك»، على إيرادات النفط في تمويل أكثر من 90 بالمئة من ميزانيتها العامة. وكان حجم الانفاق الكويتي على الدعم يبلغ 2.9 مليار دينار (9.6 مليارات دولار) أي ما يمثل نحو 15 بالمئة من إجمالي مصروفات السنة المالية الحالية، ويذهب جزء أساسي من هذا الدعم إلى الطاقة بمختلف أنواعها.
أما تراجع الحكومة عن قرارها أمام الضغط الشعبي والنيابي، فليس الأول من نوعه، إذ إنها تراجعت في نيسان الماضي تحت ضغط إضراب عمال النفط عن خطة سميت «البديل الاستراتيجي» وسعت إلى خفض النفقات وإصلاح مرتبات العاملين في الوظائف الحكومية وفي مقدمتهم عمال النفط الذين يحصلون على مرتبات ومزايا وظيفية لا تقارن بنظرائهم العاملين في وظائف حكومية أخرى.

(الأخبار، أ ف ب، رويترز)