عقب اتفاق المشاركين في لقاء لوزان، ومنهم الأردن، على الحفاظ على سوريا «دولة موحدة علمانية»، نشر الملك الأردني عبدالله الثاني ورقة نقاشية على الصفحة الرسمية للديوان الملكي في «فايسبوك»، تحت عنوان «سيادة القانون أساس الدولة المدنية»، فاتحاً فيها النقاش حول الدولة المدنية، مع حرصه على ذكر أن «الدين في هذه الدولة عامل أساسي في بناء منظومة الأخلاق والقيم المجتمعية».

تأتي هذه الورقة، التي شدد فيها عبدالله على «التفريق بين مفهوم الدولة المدنية والدولة العلمانية»، عقب الانتخابات النيابية الأخيرة التي شملت ترشح عدد من التيارات الإسلامية وفوزها، خاصة «جماعة الإخوان المسلمين» غير المرخصة حالياً. لكنّها طُرحت بعد ثلاثة أيام من خروج مسيرة كبيرة في مدينة الزرقاء (وسط المملكة)، التي توصف بأنها معقل للتيار الإسلامي على اختلاف تياراته، بعنوان المناهضة للعلمانية، وضد تعديلات مناهج التعليم الأخيرة، التي وصفوها بأنها «حرب على الدين والقرآن».
رغم الاحتفاء الإخواني بورقة الملك والإشادة السابقة بتصريحات زوجته التي باركت المشاركة الإخوانية في الانتخابات النيابية، ومع إعلان قيادات الجماعة القديمة «التزام مبدأ الدولة المدنية»، فإنهم في الوقت نفسه يقدّمون غطاءً للندوات وللمسيرات ضد العلمانية، وضد أي «تلطيف» للخطاب الديني في المناهج المدرسية أو حتى «عصرنته».
يعلّق على ذلك الكاتب سعود قبيلات بالقول إن «الإخوان والليبراليّين (حلفائهم الموضوعيّين)، تشاركوا خلال السنوات الأخيرة في طرحِ شعارٍ عائمٍ هو شعار الدولة المدنيَّة، الذي صار متداولاً في الإعلام وعلى ألسنة السياسيين، وكلٌّ يقصد به المضمون الذي يلائمه». فالليبراليّون، وفق قبيلات، يريدون القفز فوق برنامج التحرّر الوطنيّ والإبقاء على التبعيّة، وصولاً إلى بناء دولة منظَّمات التمويل الأجنبيّ. أما «الإخوان»، فهم إضافة إلى المضامين السابقة، يريدون، برأيه، الالتفاف على مطلب العلمانيَّة بإقامة «دولة مدنيّة تطبِّق الشريعة الإسلاميّة».
منذ «الربيع العربي» وتجارب «الإخوان» في الحكم ونماذج «داعش» و«جبهة النصرة»، تعالت الأصوات بين السياسيين للمطالبة بالدولة العلمانيّة كحلّ لتجنّب تكرار النماذج المشابهة في المنطقة، لكن المستوى الشعبي لا يزال ميّالاً إلى ما تريده السلفية المسيطرة في المملكة. فبينما أدت مشاركة الكاتب والزميل المغدور ناهض حتر لكاريكاتير بعنوان «رب الدواعش» إلى قتله ــ إضافة إلى أسباب أخرى ــ لم تسمع أصوات معترضة على مشاركة أحد الإعلاميين المحسوبين على التيار الإسلامي منشوراً مشابهاً في المضمون يتبرّأ فيه من «الرب الدموي»، في إشارة إلى تقاليد بعض الشيعة.

مقترح «الدولة المدنية» يُشغل الناس والأحزاب في قضايا بلا نتائج

أما في قضية تعديل مناهج التعليم، فكل الإسلاميين، من إخوانيين وسلفيين وجهاديين، يحاولون إقناع الشارع بأن تياراً معادياً للدين أقنع الدولة بضرورة «تخفيف النزعة الدينية في المناهج»، وآخرهم منظّر تيار السلفية الجهادية، أبو محمد المقدسي، فيما تقود النائبة الفائزة هدى العتوم (إخوان مسلمون) حملة مشابهة بشأن المناهج.
المشكلة أن الدولة لا تزال تحابي هذه التيارات رغم علمها مسبقاً بأن مشروع الدولة المدنية سوف يسقط جراء اعتراضاتها، إلا في حال كانت هذه الفكرة أساساً ساحة لإشغالهم. في دلالة على ذلك، عيّنت محكمة أردنية خبيراً قانونياً لتقدير «الضرر» الذي سبّبه الداعية العراقي أحمد الكبيسي بتهجّمه على الشيخ محمد بن عبد الوهاب والوهابية، ووصفهم باليهود، وبأنهم صناعة يهودية، وذلك خلال جلسة قبل يومين للنظر في دعوى المحامي السعودي عثمان العتيبي ضد الكبيسي وقناة «دجلة»، إثر لقاء بُثّ قبل عامين.
واتهم المدّعي العام الأردني الداعية الكبيسي و«دجلة» بـ«إثارة النعرات المذهبية والعنصرية والحض على النزاع بين الطوائف... وجنحة إهانة الشعور والمعتقد الديني»، رغم أن محاكم دبي رفضت هذه الدعوى، ثم جاء السعودي العتيبي ليرفعها في الأردن، حيث مقر القناة. ويتوقع وفقاً للقانون الأردني أن يصل الحكم في حال الإدانة إلى السجن ثلاث سنوات، وغرامة مالية.
وسط هذه المعمعة وإشغال الداخل في كيفية بناء الدولة التي لن تتغير منظومة الحكم فيها رغم التعديلات المحكيّ عنها، كانت الحكومة قد أنجزت اتفاقها مع إسرائيل، لتصير الأخيرة رسمياً مصدّراً للغاز إلى المملكة لعشرة أعوام، فضلاً عن أنها فتحت الباب أمام اتفاقات أخرى مع دول عربية وإسلامية، ظهر منها تركيا حالياً.
ووفق خبراء طاقة، تحدثوا إلى «الأخبار»، فإن الصفقة جاءت إنقاذاً للحقل الذي استولت عليه إسرائيل، بما أن الأردن اشترى عُشر كمية الغاز الموجودة فيه، وذلك بعدما تضاءلت فرص بيعه لمصر التي اكتشفت حقلاً خاصاً بها، أو لأوروبا التي سيكلفها الكثير بسبب تعقيدات إيصال الغاز إليها، لذلك لم يكن مفاجئاً أن الولايات المتحدة ضغطت مباشرة من أجل إتمام الصفقة.
وجرياً على مقولة أن التاريخ يكرر نفسه؛ في التسعينيات لعب النظام المناورة نفسها، فقد كان لـ«الإخوان» تمثيلهم في المجلس النيابي، واستغل النظام مشاركتهم تلك لتمرير أخطر معاهدة في تاريخ الدولة الأردنية مع إسرائيل، هي اتفاقية وادي عربة.
مرّت في تلك الأيام «وادي عربة» من دون احتجاج إسلامي لافت، كأنْ يقدم النواب استقالاتهم، واليوم يتكرر المشهد: مع وصول 15 نائباً إخوانياً إلى المجلس الجديد، تمضي الحكومة باتفاقية الغاز، من دون أن يكون للعائدين بعد غياب تسع سنوات، أيّ موقف.