حذر الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، أمس، من «نتائج وخيمة» إذا لم تشارك قوات بلاده في عملية تحرير الموصل. وقال أردوغان خلال مشاركته في مؤتمر بشأن القانون الدولي في اسطنبول أن تركيا «مضطرة لدخول مدينة الموصل لأنها معرضة للتهديد»، مشيراً إلى أن أنقرة «لا تتحمل نتائج أي عملية لا تشارك فيها تركيا».

وأكد أردوغان أن بلاده «لا تتلقى أوامر من أحد ولن تخرج من معكسر بعشيقة»، مؤكداً أن بلاده ستكون «داخل العملية وستكون على الطاولة». وناشد الرئيس التركي المهتمين بعملية «تحرير الموصل» قراءة التاريخ، وخصوصاً وثيقة «الميثاق الوطني»، مؤكداً علاقة بلاده بالمنطقة وسكانها من التركمان والعرب والأكراد.

رأت أنقرة أن العملية مستمرة على نحو يتماشى مع التصور العام لتركيا

كلام أردوغان أثار نقاشاً جديداً في الأوساط السياسية والإعلامية التركية، لكون وثيقة «الميثاق الوطني» ترسّم حدود تركيا آنذاك بحيث تضم ولاية الموصل، التي تشمل الموصل وأربيل والسليمانية وكركوك، كما هي تضم شمال سوريا. وتشير الوثيقة المذكورة إلى ضرورة إجراء استفتاء في الشمال السوري للتأكد من رغبة سكان هذه المنطقة في الانضمام إلى تركيا. وأعقب تصريح أردوغان حديثه قبل أسبوعين عن رفض «اتفاقية لوزان» (١٩٢٣) التي اعترفت باستقلال الجمهورية التركية وسيادتها بحدودها الحالية. وأثار هذا التصريح آنذاك نقاشاً واسعاً أيضاً في الأوساط الإعلامية التي يسيطر أردوغان على ٩٥٪‏ منها، إذ ازدادت أصوات المطالبين بضم شمالي سوريا والعراق إلى تركيا، وهو ما قد يفسر التوغل التركي في الشمال السوري من جرابلس إلى أعزاز وبعمق يصل إلى 50 ــ 60 كلم خصوصاً، بعد طرد «داعش» من مدينة الباب ووحدات «الحماية الشعبية» الكردية من منبج، وذلك بالتنسيق والتعاون مع «الجيش الحر» والفصائل المتحالفة معه وأهمها التي تضم التركمان والتي جرى تشكيلها وتدريبها وتسليحها على يد الاستخبارات التركية.
في هذا الوقت، قالت مصادر دبلوماسية تركية إن وفداً من وزارة الخارجية توجه إلى بغداد لبحث آخر التطورات مع المسؤولين العراقيين بما فيها وجود القوات التركية قرب مدينة الموصل. وقد أكد نائب رئيس الوزراء التركي نعمان قورتولموش، مشاركة نحو ثلاثة آلاف مقاتل من القوات العراقية في عملية تحرير الموصل من الذين قامت القوات التركية المتمركزة في معسكر بعشيقة بتدريبهم. وقال قورتولموش في مؤتمر صحافي بعد اجتماع مجلس الوزراء التركي إن «عملية تحرير الموصل تتواصل منذ بدئها وحتى الآن على نحو يتماشى مع التصور العام لتركيا»، مشيراً إلى استعداد بلاده اتخاذ إجراءات حيال أي تطورات مفاجئة محتملة. وأكد «أهمية الموصل» بالنسبة لبلاده «التي تتابع بدقة ما يجري هناك والعمل على الحيلولة دون وقوع مزيد من التمييز المذهبي في المنطقة ودون سيادة النهج العرقي».
وكانت أنقرة قد أرسلت تعزيزات عسكرية إلى أطراف بلدتي شرناك وسلوبي التركيتين على الحدود العراقية، في وقت سابق من يوم أمس، تزامناً مع انطلاق «معركة الموصل».
ومعلومٌ أن أردوغان يعتمد في حساباته الخاصة بالشمال العراقي على العشائر السنية الموصلية الموالية لنائب الرئيس العراقي السابق طارق الهاشمي، ومحافظ نينوى الأسبق أثيل النجيفي، وكلاهما يزور تركيا، ويقيم فيها أغلب الأحيان، ويحظى بدعم مالي كبير من أنقرة. ويرى الكثيرون في مسعود البرزاني الحليف الأهم بالنسبة لأردوغان، وخصوصاً أن الجيش التركي موجود في أكثر من ١٥ موقعا في شمالي العراق، بما فيها بعشيقة.
وبين عامي ١٩٩٤ــ ١٩٩٥، حاربت قوات البشمركة البرزانية إلى جانب الجيش التركي في حربه ضد حزب «العمال الكردستاني»، وهو ما دفع الجيش التركي إلى القتال مع بشمركة البرزاني ضد بشمركة جلال الطلباني عام ١٩٩٦ ــ ١٩٩٧. ويقوم الجيش التركي بتدريب قوات البشمركة البرزانية التي يدربها بدورهم خبراء أميركيون وبريطانيون وفرنسيون ومن أكثر من ١٠ دول أخرى تدربها وتسلحها. ويدرب الجيش التركي نحو عشرة آلاف من عناصر العشائر السنية وباعتراف المسؤولين الأتراك بمن فيهم أردوغان الذي قال أكثر من مرة إنهم لن يسمحوا بـ»دخول ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية إلى مدينة الموصل»، علماً بأن معظم سكان تلعفر غربي الموصل هم من التركمان، ولكنهم شيعة. وأكد أردوغان حق تركيا في اجتياح الشمال العراقي والبقاء هناك إلى أجل غير مسمى، مستشهداً باحتلال العراق عام ٢٠٠٣ من دون موافقة الرئيس صدام حسين، مشيراً إلى أنّ هذا الاجتياح حق دوليّ له. ولأن لتركيا حدودا مع العراق بطول ٣٥٠ كلم وهي تهم تركيا في حربها ضد حزب «العمال الكردستاني» ووحدات «الحماية الشعبية الكردية» السورية التي لا يرتاح لها رئيس إقليم كردستان العراق. ويمتلك الأخير علاقات متشابكة ومعقدة مع أنقرة ومع أردوغان شخصياً. وكانت وسائل الإعلام التركية قد سرّبت قبل أيام تسجيلات لمراسلات إلكترونية لوزير الطاقة وزوج إبنة أردوغان بارات البايراك، تبيّن علاقته بشركات النفط التي تستورد نفطاً من البرزاني وربما كميات من النفط الذي يسيطر عليه «داعش».
كل ذلك يجري في الوقت الذي يراهن فيه الكثيرون على مدى جدية أنقرة في حربها ضد «داعش» إن كان في سوريا أو الموصل، مثلما يؤكد أردوغان. وأشار المراقبون إلى حاجة أنقرة لـ»داعش» في حربها المحتملة ضد حزب «العمال الكردستاني» والعلويين، مع استمرار الحديث عن توترات خطيرة في هذا المجال على الصعيد الإقليمي بانعكاسات ذلك على الواقع الداخلي، وخصوصاً إذا استمر أردوغان في أحاديثه الطائفية في سوريا والعراق من منطلقات تاريخية تركية وعثمانية وإسلامية سنية بسبب تحالفاته مع دول الخليج وخصوصاً السعودية وقطر.