أخيراً، أعلن رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي الساعة الصفر، بعد ترقّب وتكهنات دامت أياماً عدة، وفرضيات تحدثت عن إمكانية تأجيل انطلاق المعركة إلى ما بعد تسوية قضية الوجود العسكري التركي في شمال العراق. وكشفت الساعات الأولى للمعركة عن ثمار الاتفاقات والتفاهمات التي جرت خلف الكواليس وأمامها، خلال الفترة الماضية، بين بغداد وأربيل وواشنطن.

وفجر أمس، أعلن العبادي من مقر قيادة العمليات المشتركة في العاصمة بغداد، مرتدياً البزة العسكرية، بدء أهم معركة مع "داعش" منذ حزيران 2014. وقال مخاطباً أهالي نينوى: "قريباً نلتقي في أرض الموصل لنحتفل جميعاً بتحريرها وبخلاصكم، ولنعيش مرة أخرى بجميع أدياننا وبجميع طوائفنا، أحبّة متكافئين متعاونين، نقف جميعاً للاقتصاص من جرائم داعش وإعادة بناء هذه المحافظة الطيبة بجميع أهلها".
العبادي كشف عن وجود "محاولة خلال الأيام الماضية لتأخير عملية التحرير وخلط الأوراق، ولكن والحمدلله وأدناها في قبرها وفي مكانها"، مؤكداً أن حكومته ستعمل على "إعمار ما دمرته هذه العصابة المجرمة (داعش)، وسنعيد الحياة ونعيد الاستقرار في الموصل وفي جميع المناطق حول الموصل".
وتمكنت القوات المشتركة، في نهاية الجزء الأول من العمليات العسكرية، من الوصول إلى مناطق في المحور الجنوبي الشرقي لنينوى، الأمر الذي فاق التوقعات والترجيحات بحسب قادة عسكريين بارزين. وبلغ عدد القرى التي تم تحريرها 26 قرية، أبرزها: إبراهيم الخليل والعدلة وكان حرامي وعباس رجب وجديدة وقرى الكبيبة والمخلط والشروق والحميدية وقرى بلاوات والشهيد صبحي وكهاري وقرية الجايف، وكهاري وقرية الجايف، ونمرود، وخضر، وباصخرة وبازكرتان.
في المقابل، شهدت مناطق حمام العليل والحمداني (سهل نينوى) تقدماً كبيراً وانتفاضة لأهاليها.
وأبلغ قائد محور جهاز مكافحة الإرهاب في عمليات نينوى، الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي، "الأخبار"، عدم وقوع أي خسائر بشرية في صفوف القوات المحرّرة، خلال اليوم الأول من العمليات. وأشار الساعدي إلى أنه "لم تشارك جميع القطعات العسكرية في عمليات التحرير لغاية الآن، بينها قواته جهاز مكافحة الإرهاب، باعتبار أن المرحلة الأولى أنيطت بقوات البشمركة".
وأعلن رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني، الذي وصل إلى محور عمليات قواته مع رئيس حكومته نجيرفان البرزاني، حيث عقد مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع قادة في الجيش العراقي، عن "تطهير 200 كلم مربع من داعش، في المرحلة الأولى من معركة استعادة الموصل". وأشار إلى أن "هناك تنسيقاً كاملاً مع بغداد بشأن معركة استعادة الموصل"، مضيفاً أن "القوات تحقق نجاحاً كبيراً". وقال إنها "المرة الأولى التي يقاتل فيها الجيش العراقي إلى جانب قوات البشمركة في جبهة واحدة ضد عدو مشترك"، لافتاً إلى أنه "لن تكون هناك عمليات ثأر وانتقام ما بعد التحرير، ولن نقبل بأن تتحول الموصل إلى حلب جديدة".

لم يبدأ "الحشد" فعلياً بعملياته وهو يقوم حالياً بإسناد مدفعي

وبشأن الوضع في مدينة الموصل التي تدور المعارك على أطرافها، أبلغت مصادر ميدانية وأخرى محلية "الأخبار" بأن المدينة أصبحت خالية من سكانها تماماً، بعد أوامر أصدرها "داعش" للأهالي بلزوم منازلهم. المصادر أوضحت أن التنظيم قام بنقل جميع مقاره إلى مواقع بديلة في الأحياء والمناطق السكنية. كذلك أشارت إلى أن "داعش" قام بقطع الشوارع والطرق الرئيسية والفرعية في الموصل بالسواتر الترابية، في محاولة لإعاقة تقدم القوات الأمنية، مضيفة أنه عمد إلى ركن سيارات مفخخة وتفخيخ بعض المنازل والطرق في المدينة.
وفي السياق، كشف الخبير في شؤون الجماعات المسلّحة هشام الهاشمي عن اعتماد "داعش" على ثلاث كتائب هي "طارق بن زياد" و"الخلافة" و"الصارم البتار"، موضحاً أن غالبية المنتمين إلى تلك الكتائب من الأجانب وشمال أفريقيا. ولفت الهاشمي، في حديث إلى "الأخبار"، إلى أن معركة الموصل ستكون أشبه إلى حدّ ما بمعركة الفلوجة. من جهة أخرى، أشار الخبير في شؤون الجماعات المسلحة إلى أن "تعاون الأهالي له تأثير كبير، حيث تمت تصفية أكثر من 40 داعشياً من الصف الثاني عبر تعاون الأهالي"، لافتاً إلى أن "التنظيم عمد خلال الأيام القليلة الماضية إلى إعدام أكثر من 50 شخصاً من أهالي الموصل بتهمة التعاون مع الجيش العراقي والبشمركة".
وبشأن دور قوات "الحشد الشعبي"، أكد مصدر أنه "لم يبدأ فعلياً بعملياته، وأن ما يقوم به حالياً هو إسناد مدفعي وصاروخي". وقال المصدر لـ"الأخبار" إن "قيادة العمليات المشتركة أوكلت إلى الحشد الشعبي مهمات عدة سيعلن عنها لاحقاً، أبرزها تحرير طريق بيجي (التابعة لصلاح الدين) ــ الموصل".
وبدأت مديرية الإعلام الحربي التابعة لـ"الحشد الشعبي" بنشر بيانات رسمية ومواقف عسكرية لتطورات معركة تحرير الموصل. وفي هذا الإطار، أشارت في بيان إلى أن "جميع القوات العراقية تشترك في عملية تحرير الموصل، بما فيها قوات الحشد الشعبي بكافة فصائله". وأضاف البيان أن "محور الحشد الشعبي يكون الجهة الجنوبية والغربية للموصل، في حين تكون الشرقية والشمالية للجيش والبشمركة والتحالف الأميركي، بالإضافة إلى الحشد الشعبي المحلي، الذي يضم متطوعين من سكان الموصل، خصوصاً المسيحيين والتركمان".
وأضاف البيان أن "قوات الشرطة الاتحادية وقطعات من الجيش تشترك في محاور الحشد"، مشيراً إلى أن "الغطاء الجوي لمناطق الحشد الشعبي يكون من مهمة طيران الجيش والقوة الجوية العراقية حصراً".
ووفق البيان، فإن "مهمة الحشد الشعبي هي قطع الإمداد لداعش والتطويق، من ثم تحرير المناطق الجنوبية والغربية للموصل، بمقدمتِها تلعفر". وأشار إلى أنه "في حال تعقدت العمليات، يتولى الحشد الشعبي مهمات إضافية، منها تطويق مدينة الموصل بجهاتها الأربع، كما حصل في الفلوجة".
من جهة أخرى، لفت البيان إلى أن "الاتفاق بين القائد العام للقوات المسلحة (العبادي) وقادة الحشد الشعبي، ينص على منع قوات البشمركة من الدخول إلى مركز الموصل"، مؤكداً أنه "في حال دخلت، يتصدى لها الحشد، حفاظاً على عروبة المدينة الكبيرة وعراقيتها". كذلك لفت إلى أنه "في حالة دخول الاحتلال التركي إلى تلعفر، يتم التعامل معه من قبل قوات الحشدِ الشعبي الموجودةِ هناك مباشرة". وبحسب الاتفاق، فإن الوظيفة الأساسية لوجود "الحشدِ الشعبي" في الموصل، هي "التصدي لمخاطر محتملة قد تتعرض لها الموصل، بعد الخلاص من داعش، في مقدمتها المطامع التركية".
إلى ذلك، نفى مصدر حكومي وجود قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري قاسم سيلماني في "عمليات تحرير الموصل". لكنه أكد في حديث إلى "الأخبار" وجود مستشارين إيرانيين يقدمون الدعم للبشمركة وبقية القوات العراقية "على حدّ سواء". وأشار المصدر إلى وجود مستشارين أميركيين وبريطانيين وأستراليين، ومن جنسيات أخرى، في نينوى، بعلم وتنسيق مع الحكومة الاتحادية في بغداد.