في أحد منازل قرية كفرنايا، وداخل غرفةٍ يتصدّرها شعار «المقاومة الوطنيّة السوريّة» يستقبلنا عدد من مسؤولي «مجلس سوريا الديمقراطيّة». ريزان حدّو «عضو مجلس سوريا الديمقراطيّة»، وأحمد الأعرج «عضو اللجنة التنفيذيّة في التحالف الوطني الديمقراطي السوري»، وعلي محمود «مسؤول ملف الإغاثة في مناطق الشهباء». جميعهمُ «قادة في المقاومة الوطنيّة السوريّة» أيضاً. والأخيرة هي تجمّع كان قد أُعلن تشكيله في أيلول الماضي، من دون أيّ فعلٍ حتى الآن («الأخبار»، العدد 2979). يؤكّد الحاضرون أنّ «التحالف» ليس مجرّد «ظاهرة إعلاميّة»، وأنّ «العمل جارٍ لترتيب كثير من الأوراق»، والعمل الميدانيّ «سينطلق في اللحظة المناسبة». يبدو واضحاً أنّ «الثقل» الأساسي للتحالف المذكور يتمركز في هذه المنطقة، ويمكن تخمين أنّ «المقاومة السوريّة» تحوّلت لحاملٍ يستقطبُ معظم المكوّنات العرقية الموجودة تحت شعار «مقاومة الاحتلال التركي» الآخذ بالاقتراب أكثر فأكثر. يوضح «القادة» أنّ منطقة الحسكة «تضمّ مكاتب للمقاومة السورية، لكنّها لم تنشط بقدر مماثل لما هو الحال هنا بعد». ثمّة «مكاتب أيضاً خارج سوريا». يُشدّد الجميع على «البُعد الوطني لتحالف المقاومة السورية». يحكون عن «عروض تمويل» تلقّوها من غير جهة، وعلى رأسها الداعية التركي فتح الله غولن. لكنّ تلك العروض «رُفضَت لأنّ أصحابها يريدون تسخير مشروعنا الوطنيّ لخدمة مصالحهم». الموقف من أنقرة هو الأشد وضوحاً: «تركيا في نظرنا تساوي إسرائيل، كلتاهما محتلة تجب مقاومتها». التأكيد مستمر على «مناصرة القضية الفلسطينيّة»، ويستند إلى «تشابه المعاناة بين الشعبين الفلسطيني والكردي مع اختلاف الظروف والمسببات».

عروض تمويل تلقّاها «المجلس» من جهات خارجية عدة

«انفصاليّون» أم «وطنيّون»؟

نطرح أسئلة كثيرة خلال جولتنا في المنطقة على معظم من نلتقيهم من «المجالس». «أكراد سوريا ليسوا انفصاليّين»، يتمسّك الجميع بـ«هذه الحقيقة»، ويعزون رواج كل ما يناقض ذلك إلى «البروباغندا التي يمارسُها الإعلام، ولا سيّما المحسوب منه على المحور التركي». في المقابل يشدّدون على أنّ «حقوق الأكراد السوريين هُضمت على امتداد عقود، وتعرّضوا لكثير من التضييق والتمييز». ينقل أحدهم عن «رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي» صالح مسلم قوله في غير مناسبة «فلينصّ الدستور السوري ولو بسطرٍ واحدٍ على حقوق الأكراد». يعيدُ المتّحدثون جذور «المظلومية الكردية» إلى ما قبل وصول «حزب البعث إلى السلطة»، لكنّهم يحمّلونه «مسؤوليّة استمرارها طيلة هذه العقود». يتمسكون أيضاً بـ«دور الأكراد في الحفاظ على وحدة الأراضي السوريّة خلال الأحداث الراهنة»، وبأنّ «الوجود الكردي حال دون سقوط الشمال السوري في قبضة الأتراك وأذرعهم». لا يجدُ المتحدّثون اختلافاً بنيويّاً بين هذا الكلام وبين «مواقف الأكراد في مناطق شرق الفرات». يعزون تفاقم التوتّر في الحسكة إلى أسباب كثيرة مثل «الآثار السلبيّة التي خلّفها الإحصاء الاستثنائي (عام 1962)، ومواقف بعض العشائر العربيّة العدائيّة هناك». وينفون في الوقت نفسه أن يكون انفرادهم في السيطرة على منطقة عفرين سبباً لاختلاف الحال بينها وبين الحسكة (التي تحافظ الدولة السوريّة على وجودها فيها سياسيّاً وعسكريّاً).

دمشق وموسكو

الحديث عن «الانفصال» و«الفدرلة» يستتبع بطبيعة الحال حديثاً عن العلاقة مع الدولة السوريّة. الخطوط ليست مقطوعة لكنّ الاختلافات كثيرة. يبدو واضحاً أنّ أسباب «الانفجار الكبير» في العلاقة بين الطرفين قائمة، لكنّه مؤجل مع رهان على احتمال «الوصول إلى حلّ ما». ما حصل في الحسكة قبل فترة «كان كارثيّاً، ويتحمّل الطرفان مسؤوليّته». أمّا الدور الروسي فكان «مثاليّاً». موسكو وفقاً للحاضرين «مؤهلة لأداء دور محوري في الوصول إلى تسوية تاريخيّة للأزمة السورية بأكملها. علاقاتنا معها ممتازة، وهي الطرف الذي أصرّ باستمرار على وجوب مشاركة الأكراد في أي محادثات تنشد الوصول إلى حل سياسي».

الولايات المتحدة «تحالف الضرورة»؟

يرى ريزان حدّو أنّ «التحالف مع الولايات المتحدة فُرض على قوّات سوريا الديمقراطيّة». يؤكّد أنّ «مرحلة الدفاع عن كوباني (عين العرب) كانت مصيريّة. تركنا الجميعُ في مواجهة إرهاب «داعش» الذي كان في أوج قوّته، ويحظى بدعم تركيّ مفتوح، وأمام ذلك الظرف الوجودي جاء الخيار الأميركي». يرفض الجميع هنا مقارنة هذه الحالة بتعاون كثير من المجموعات المسلّحة ومنها «جبهة النصرة» مع الكيان الإسرائيلي. «الأسباب كثيرة، على رأسها أننّا في كوباني كنّا في حالة دفاع عن أرضنا ووجودنا. كما أن الولايات المتحدة قوّة عُظمى حاضرة في كل ملفّات العالم» يقول حدّو. ويضيف أحمد الأعرج «حتى دول المواجهة مع إسرائيل، التي لا تعترف بها، تقيم في الوقت نفسه علاقات بحكم الضرورة مع الولايات المتحدة». ماذا عن القواعد الأميركيّة السبع في مناطق سيطرة الأكراد؟ وما الفرق بين رفع العلم الأميركي أو التركي داخل أراضٍ سوريّة؟ تتمحور ردود الجميع حول «المطامع التركية التاريخية في سوريا»، وحول الاختلاف الجوهري بين «رفع العلم الأميركي في قاعدة عسكريّة، والتركي فوق مبنى بلديّة كما حصل في جرابلس».

الباب ومنبج

تحظى معركة الباب بأهميّة قصوى لدى «مجلس سوريا الديمقراطيّة»، و«لا تراجع عن خوضها». حديث الأتراك والمجموعات المسلّحة المنضوية تحت لواء «درع الفرات» عن «توسع العملية نحو الباب» لا يغيّر من الأمر شيئاً. و«حتى لو حصل ذلك فستبقى الباب بالنسبة إلينا مُحتلّة، والاختلاف فقط استبدال الاحتلال الداعشي بآخر تركي، وفي الحالتين نحن عازمون على تحريرها». يختلف الأمر اذا قرّر الجيش السوري وحلفاؤه خوض المعركة نحو الباب، فـ«الأرض سوريّة». ويضيف أحد الحاضرين «إذا حرّرها الجيش فسيحتاج إلى مقاتلينا من أجل التثبيت والانتشار، جزء كبير من مقاتلينا ينحدر من منطقة الباب وقراها مثل قباسين وغيرها». يتحدثون عن «إحصائية أجريت للوقوف على عدد القرى الكردية تاريخياً في المنطقة»، ويؤكدون أنّ عددها «يتجاوز المئة»! تبدو «قسد» مطمئنة إلى أن «تركيّا لن تجرؤ على مهاجمة منبج». نسأل عن حقيقة وجود مقاتلين فرنسيين وبريطانيين ومن جنسيات أخرى في منبج، «هذا صحيح، يوجد أيضاً كنديون، وألمان، ومن جنسيات أخرى. هؤلاء متطوّعون، قضيّتهم الأولى والأخيرة التصدي للتكفيريين». يأخذ الأمر وفقاً لتوصيفهم شكلاً أشبه بـ«النضال ضد الجهاد».

مخاوف «صفقة حلب»

خلال وجودنا تردنا أنباء عن «استعدادات لخروج مسلّحين من الأحياء الشرقيّة لحلب عبر معبر بستان القصر» نسأل عن رأيهم في هذا الأمر. هو «شيء إيجابي إذا حصل، ونتمنى تعافي حلب. لكننا نتساءل إلى أين سيتوجه هؤلاء؟ إلى إدلب، ثم يعبرون إلى تركيّا، ويعودون إلى مهاجمتنا هنا تحت إشراف الاحتلال التركي». المخاوف جليّة من احتمال وجود «صفقة ما» بين دمشق وأنقرة، أو على الأقل بين الأخيرة وموسكو. لا تصريحَ في هذا الشأن، لكن قلق يمكن تلمسّه بسهولة.




سباق ما بعد دابق

بدأت القوات التركية المتقدمة جنوباً في ريف حلب الشمالي، بعد سيطرتها على دابق ومحيطها، باستهداف الخطوط الأمامية لـ«قوات سوريا الديموقراطية» على جبهة الريف الغربي لمدينة الباب، وذلك بالتزامن مع إعلان «جيش الثوار» المنضوي ضمن «قسد»، في بيان، أن المدفعية التركية استهدفت نقاطه العسكرية «في بلدتي أم حوش وأم القرى والحصية من محاور الغوز، القيطون، تل مالد ومارع»، مضيفاً أن «قسد» سترد على مصادر الاعتداءات بعد فشل محاولات التهدئة التي لم تلقَ تجاوباً من فصائل «درع الفرات».
وكان «جيش الثوار»، بالتعاون مع «قوات العشائر» وبعض الفصائل التابعة لـ«مجلس الباب العسكري»، قد سيطر على قرى الحصية، وحساجك، وسموقة، قول سروج، وسد الشهباء، وقرية الوردية، في ريف الباب الغربي، مستبقين التقدم السريع للفصائل المدعومة تركياً والمتمددة جنوب دابق.
(الأخبار)