الوصول من مدينة حلب إلى منطقة عفرين لم يعد صعباً منذ سيطر الجيش السوري وحلفاؤه على محور الكاستيلو الشهير. تنطلق الحافلات الصغيرة («ميكروباص» 14 راكباً) بانتظام من حي السريان القديمة، وعبر دوّار شيحان مروراً بحي بني زيد لتغادر المدينةَ نحو الشمال. خلال ذلك عليك التوقف تباعاً عند أربعة حواجز (أحدها للوحدات الكردية في بني زيد، والبقية للجيش والأمن السوري). عملياتٌ روتينية سريعة، لا أحد يسألك عن الوِجهة إذا «نجحت» هويتك في امتحان «التفييش». الدمار والخواء الكبيران ليسا مستغربين قياساً بما شهدته المناطق من معارك على امتداد سنوات. تقطع الحافلة بهدوء طريق الكاستيلو الذي شكل مفترقاً حاسماً في الحرب السورية. الطّريق كأنّه لم يعرف الإسفلت يوماً، لا نشاهد آليات ولا نلحظ أيّ نشاط لإعادة تأهيل الطريق، وعلى الرّغم من ذلك يقول السائق «ألف نعمة، فرحنا بفتحو وكأنو طريق الجنة». لا يقصد جميع الركّاب مدينة عفرين أو قراها، يقول رجل ستينيّ إنّ وجهته هي مدينة أعزاز (تتشارك السيطرة عليها «النصرة» و«حركة أحرار الشام» ومجموعات أخرى). لن يكون على الرجل دخول عفرين، بل سيترجل عند أول حاجز لـ«الإدارة الذاتيّة» وينطلق نحو الشمال. وبرغم العداء بين الأخيرة وبين المجموعات المسلحة المذكورة تستمر حركة النقل بين المناطق التي تسيطر عليها كل منهما، مع كثير من التعقيدات. على مشارف بلدة نبّل يتأكد السّائق من وجهات الركاب و«المستندات» التي يحملُها قاصدو مناطق «الإدارة الذاتية»، فالدخول ليس متاحاً إلا بموجب «بطاقة إقامة» أو «كرت زيارة» نظمه مسبقاً أحد سكان المنطقة وكفل الزائر.
تمنع تركيا المنظمات

الدولية العاملة على أرضها من التعامل مع الأكراد

نتجاوز الزهراء ونبّل، لنقترب من آخر حواجز الجيش السوري قرب ماير. نختار الترجل من الحافلة وننطلق نحو أول حواجز «الإدارة الذاتيّة» سيراً على الأقدام. المسافة بين الحاجزين لا تتجاوز الخمسمئة متر، ويبدوان أشبه بنقطتين حدوديتين متقابلتين، يسهم في ذلك وجود استراحات تبيع القهوة والشاي والمرطبات. نقترب من نقطة «الأسايش» التي يرفرف فوقَها علم «مقاطعة عفرين» الأصفر، وإلى جواره راية «أسايش روج آفا» الزرقاء. في انتظارنا مرافقان بالزي العسكري، يناول أحدهما «أمر مهمة» لعنصر «الأسايش». حوار قصير بالكردية نخمّن أنه استفسار حول بعض التفاصيل، يسجل بعدها عنصر «الأسايش» أسماءنا على ورقة صغيرة يدسها في جيبه. نستقل سيارة في مقعدها الخلفي غيتار سيرافقنا طيلةَ الجولة. الوجهة الأولى إلى الشمال الشرقي نحو بلدة كفرنايا التي سيطرت عليها «قوّات سوريا الديمقراطيّة» في شباط الماضي بالتزامن مع نجاح الجيش وحلفائه في فك حصار نبّل والزّهراء. بعد السيطرة على البلدة ومجموعة أخرى من القرى والمناطق تم التّوافق على إطلاق اسم «منطقة الشهباء» على هذه الأراضي مضافاً إليها منبج والباب وقراهما، وهي مرشحة للتحول إلى «مقاطعة رابعة» لتنضم إلى «مقاطعات الجزيرة، وعفرين، وكوباني (عين العرب)».

كفرنايا: ظروف صعبة

المحطة الأولى منزل متواضع في كفرنايا. يحافظ الجميع على عادة خلع الحذاء قبل الدخول. الأحذية أمام الباب تدل على أن الموجودين ليسوا أكثر من عشرة أشخاص، من بينهم مدنيون وعسكريون. استراحة قصيرة ننطلق بعدها في جولة طويلة. لم تترك الحرب خراباً كبيراً في البلدة. داخل مقر صغير لـ«المجلس المدني» يتكرر دخول بعض السكان للحصول على ورقة ممهورة بتوقيع وخاتم، نكتشف أنّها ورقة تخول حاملها «الذهاب إلى عفرين». يؤكد أحد أعضاء «مجلس سوريا الديمقراطية» أن الغاية من الإجراء «تنظيمية، ومن أهدافها ضبط الأمن، شأنه في ذلك شأن إجراءات دخول منطقة عفرين». الظروف الخدمية والمعيشية تبدو صعبة. في المستوصف الوحيد نقص في الأجهزة والأدوية لكن الكادر الطبي يفي بالغرض، وثمة مخزون من الأدوية تركته خلفها المجموعات المسلحة قبل انسحابها. المشكلة الأبرز تتمثّل في «امتناع المنظّمات الدوليّة عن مد يد العون»، والسبب وفقاً لعلي محمود «مسؤول ملف الإغاثة» هو «فيتو تركي يحظر على المنظمات التعامل مع الأكراد تحت طائلة إغلاق مكاتبها في تركيا وإيقاف أعمالها». يوضح محمود أن «التحضيرات جاريةٌ لإحداث نقطة للهلال الأحمر السوري في كفرنايا، سعياً إلى سد النقص الحاد عبرها». أمام محل متواضع تصطف أسطوانات الغاز وبراميل المحروقات. يهم أحد مرافقينا بملء خزان السيارة بالبنزين، ويسأل الطفل المسؤول عن البيع «نظامي نظامي؟ يعني من بنزين النظام؟». تصل المحروقات والغاز إلى المنطقة من مصادر عدة (أحدها مناطق سيطرة الأكراد في الحسكة) لكن بطرق «ملتوية» إذ يتطلّب الأمر مروراً بمناطق تسيطر عليها مجموعات شتى من بينها «داعش»، وبطبيعة الحال هناك دائماً «تجار» يبرعون في هذا النوع من العمل.

تل رفعت: الخراب سيد الموقف

يختلف الحال جذرياً في تل رفعت. الدّمار الكبير طاول أكثر من 60 في المئة من مباني المدينة. لا ملامح مدنية وسط هذا الخراب باستثناء مجموعات متناثرة من المسنين أمام بعض البيوت هنا وهناك. نزح معظم السكان هرباً من الحرب لا سيّما في ظل اشتداد القصف، ويبدو أن كثيراً منهم فضّل تركيّا أو المناطق الحدودية على المناطق المجاورة الواقعة تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية». في مقر «المجلس المدني» اجتماع لبحث «الواقعين الخدمي والتعليمي». ورغم الخواء الذي لحظناه في الطرقات، يؤكد أحد أعضاء «المجلس» أنّ «عدد العائلات الموجودة يقارب الستمِئة». ويبدو أن قلة عدد السكان انعكست «توازناً» في توافر المحروقات والخبز والكهرباء. يُعبر أحد «أعضاء المجلس» عن سعادته بـ«توافر كميات من القرطاسية والحقائب المدرسية كانت موجودة في المستودعات (التابعة للائتلاف المعارض) ونوزعها الآن مجاناً».
نزح معظم سكان
تل رفعت هرباً من الحرب لا سيّما في ظل اشتداد القصف

حربل وأم حوش: منطقة عسكرية

من تل رفعت ننطلق نحو الجنوب الشرقي إلى حربل وأم حوش تباعاً. البلدتان عبارة عن «منطقة عسكريّة» لا سيّما أم حوش التي تشكّل خط اشتباك أمامي وساخن مع «داعش». نعبر نقاطاً وتمركزات لمختلف مكونات «قسد» مثل «جبهة الأكراد»، و«قوات العشائر» و«جيش الثوار». يشير أحد المرافقين إلى نقطة على جانب الطريق «هونيك في مقبرة جماعية تركها داعش، فيها حوالى 60 جثة، ما منعرف إذا جنود سوريين أو من المعارضة». خلال الجولة يشيرون لنا إلى مختلف الاتجاهات: هناك يتمركز الجيش السوري، هناك «داعش»، وفي ذلك الاتجاه «جبهة النصرة وشركاؤها». في إحدى المزارع تتمركز مجموعةٌ من مقاتلات «وحدات حماية المرأة». يحدثنا المرافقون عن المصاعب التي اعترت تشكيل أول «كتيبة» للمقاتلات، بفعل «طبيعة المنطقة الميالة إلى المحافظة». لاحقاً توسعت «الكتيبة» إلى «جبهة حماية المرأة للشهباء»، ولعبت «دوراً أساسياً في تحرير قرى حربل، أم حوش، وأم القرى من تنظيم داعش». داخل مزرعة أخرى نلتقي مجموعةً من المقاتلين من مختلف الأعمار والمناطق. المزرعة أشبه بـ«استراحة المقاتل». يعتذر أحد قياديي المجموعة لأنه مضطر للانسحاب من الجلسة، يقول ببساطة «ابني عمرو 6 شهور كان مريض وبعتناه عالشام، بس مات. هلأ عم يخبروني إنو وصل، بدي روح أدفنو». يصعب تمييز المقاتلين العاديين من «القياديين»، لا يمكن الاستدلال على ذلك بطريقة تعامل أو لهجة خطاب. وحده السّن قد يقدم مؤشراً ما. خطوط الاشتباك مع «داعش» تنشط غالباً في الليل. لا يحلق «طيران التحالف» في المنطقة، بل هي منطقة عمليات للطيران الروسي. يشير أحد المرافقين إلى مقاتل ويقول «كان ساكن بعفرين وبدو يتجوز على مرتو، هونيك بينحبس إذا عملها. لاقى الحل بإنو ينتقل لهالمنطقة، هون بيقدر يتجوز قد ما بدو». يستشهد المرافقون بهذه الحالة للحديث عن «تطبيق اللامركزية داخل اللامركزية، حيث لكل منطقة قوانينها التي تناسبها». تُطبق «الإدارة» مبدأ «التجنيد الإلزامي» لكل شاب بين الثامنة عشرة والثلاثين من عمره. مدة الخدمة تسعة أشهر، يعفى منها الوحيد أو صاحب الموانع الصحية، ولا يعفى من سبق أن أدى الخدمة في الجيش السوري. المجندون إلزاميّاً «غالباً لا يكونون على الجبهات، بل في مناطق التثبيت». ويتولى الخطوط الأمامية مقاتلو «وحدات حماية الشعب» و«قوات سوريا الديمقراطية».




تعليم مع وقف التنفيذ

يعاني التعليم في منطقة عفرين بأكملها من مشكلة جوهريّة تجعله أشبه بتعليم مع وقف التنفيذ. في عام 2014 بدأت المشكلة بالتمظهر مع إدخال «منهاج كرديّ بالكامل» إلى الصفوف الثلاثة الأولى. أدّى انفراد «الإدارة الذاتيّة» بالسلطة في المنطقة إلى اعتبار التعليم فيها «غير شرعي»، فالشهادات الصادرة عن «هيئة التربية والتعليم في مقاطعة عفرين» لا تحظى باعتراف سوري لأن تغيير المناهج تم من دون أي تنسيق مع الحكومة السورية (التي لا تعترف بطبيعة الحال بـ«الإدارة الذاتية»). كذلك، لا تحظى تلك الشهادات باعتراف أي جهة أو منظمة دوليّة بسبب عدم توافر المقومات التي تخول «الإدارة الذاتيّة» منح شهادات تعليمية (وفقاً للقانون الدولي). أدى هذا الواقع إلى نزوح آلاف العائلات من منطقة عفرين نحو مناطق سيطرة الدولة السورية حرصاً على مستقبل أبنائها. ورغم أن بعض الأصوات داخل «الإدارة الذاتية» تتعالى للحث على إيجاد حل لهذه المشكلة بالتنسيق مع الحكومة السورية، غيرَ أنّ الأمر لا يبدو وارداً في المدى المنظور. اللافت أن الحكومة السورية لم تتوقّف عن دفع رواتب العاملين في قطاع التربية (الموجودون على ملاك وزارة التربية السورية بطبيعة الحال)، شأنهم في ذلك شأن كل الموظفّين على قيود الدولة في سائر القطاعات.




مخيمان بلا مقوّمات

في منطقة عفرين مخيّمان لإيواء النازحين: الأول «مخيم روبار» في قرية باصلة (ريف عفرين الشمالي)، يؤوي 566 عائلة عدد أفرادها 2980 نازحاً، وعدد خيمه 520 خيمة. أما المخيم الثاني فهو «مخيم الشهباء» في قرية كشتعار (ريف عفرين الشرقي) والذي افتتح أخيراً «بسبب النزوح الكثيف إلى منطقة عفرين» وفقاً لـ«مسؤول ملف الإغاثة». يؤوي المخيم 250 عائلة عدد أفرادها 1375 من بينهم 528 طفلاً. يعاني المخيمان من نقص هائل في التجهيزات من خيم (جزء كبير من الخيم تالف وبحاجة إلى استبدال) إلى الفرش والبطانيات ووسائل التدفئة ومياه الشرب والأدوية والسّلل الغذائية والصحيّة، وسواها.