للوهلة الأولى يُخيّل للزائر إلى مدينة حلب (القسم الخاضع لسيطرة الدولة السورية) أنّ تحسّناً كبيراً قد طرأ على واقعها الخدمي خلال الشهور الأخيرة. عجلة الحياة المستمرة بحيويّة كبيرة، وانخفاض وتيرة التذمر بين الحلبيين، يؤديا دوراً أساسياً في تخليف هذا الانطباع الخاطئ، لكنّ معايشة الواقع لبضعة أيام، والخوض في التفاصيل مع السكان سيتكفّلان بانجلاء الصورة أمامك: التعوّد وإيجاد البدائل حوّلا الأزمات المعيشيّة إلى «نمط حياة».


الكهرباء... «أصل البلاء»

ما زال التيار الكهربائي ضيفاً طارئاً يحضر نادراً ويغيب على هواه. تعتمد المدينة في الوقت الراهن على مصدر وحيد للتيار الكهربائي عاجزٍ عن سد الحد الأدنى من الاحتياجات، وهو «خط كهرباء خناصر الرديف 66 ك ف». كان الخط المذكور قد أنُشئ في ملابسات غريبة، وكلّف أموالاً طائلة بذريعة أنّه سيقدّم حلّاً جوهريّاً قبل أن يتبيّن خلاف ذلك («الأخبار»، العدد 2971). ويجري تجيير القسم الأكبر من الوارد الكهربائي الضئيل لتشغيل محطّة باب النيرب للمياه، فيما يذهب الباقي إلى بعض النقاط العسكرية والأمنية الحساسة. أمّا الخط الكهربائي الأساسي «حماة – الزربة – محطة الضّاحية 230 ك ف» فيعاني أعطالا كبيرة خلّفتها المعارك المندلعة في ريف حماة الشمالي. ويؤكّد مدير النقل الكهربائي حسام إسماعيل لـ«الأخبار» أنّ «وُرش الصيانة باشرت العمل على إصلاح الأعطال، ومن المتوقّع استكمال الأعمال خلال فترة وجيزة»، لكنّ إنجاز الإصلاح (حال حدوثه) لن يكون كافياً لعودة الوارد الكهربائي إلى حلب، إذ يتطلّب الأمر عودة «محطة الضاحية» إلى الخدمة. ولحقت أضرار كبيرة بالمحطة المذكورة من جرّاء المعارك المستمرّة في مشروع «1070 شقة». ويؤكّد إسماعيل أنّ «ورش الصيانة مستعدّة للدخول إلى المحطة وإصلاحها بمجرّد أن يسمح الوضع الأمني بذلك». أمّا محطّتا «حلب واو»، و«حلب إف»، فهما في وضع الجاهزية التامة. ويبدو إسماعيل متفائلاً بـ«تحسّن الواقع الكهربائي خلال أقل من شهر حتماً، ما لم يستجد طارئ أمني ميداني».

تضمّ محطة سليمان الحلبي ثلاث محطات ضخّ للمياه

مياه الشرب

على وقع المعارك التي اندلعت أخيراً في الأحياء الشرقية للمدينة عادت مياه الشرب للانقطاع مجدّداً. شملت عمليات الجيش السوري في تلك الأحياء تقدّماً نحو «محطة سليمان الحلبي المائية» من جهتي بستان الباشا والصاخور، وسيطر على محطّة التحويل الكهربائيّة التي تغذي محطّة المياه بالكهرباء، لكنّ محطة التحويل أصيبت بأضرار كبيرة من جرّاء المعارك وخرجت من الخدمة، ما أدى بالتالي الى توقّف محطّة ضخ المياه عن العمل. لم يحاول الجيش اقتحام محطات الضخ (سليمان الحلبي) وبقيت الأخيرة تحت سيطرة «جبهة فتح الشام/ النصرة». أفلحت الوساطات في الوصول إلى اتفاق يضمن إعادة تشغيل محطة المياه عبر مولدّات الديزل. تواصل «مبادرة أهالي» إدخال الديزل الذي تقدّمه «مؤسسة الأمم المتحدة للطفولة – يونيسيف» على نحو يومي، وبكميات تساوي حاجة المولّدات للعمل لمدة 24 ساعة فقط. تضم محطة سليمان الحلبي ثلاث محطات ضخ. المحطة الأولى هي «محطة باب النيرب» المسؤولة عن ضخ المياه إلى قسم كبير من الأحياء الشرقية من المدينة، وهي مستمرّة في العمل اعتماداً على التغذية الكهربائيّة الآتية من «خط خناصر 66 ك ف». المحطة الثانية مسؤولة عن الضخ نحو قسم من الأحياء الشرقية، وقسم من الأحياء الغربية (مثل وسط المدينة، العبارة، السليمانية، العزيزية، شارع فيضل، وغيرها)، وهذه هي المحطّة التي يجري تشغيلها اعتماداً على الديزل الداخل وفق مبدأ «كل يوم بيومو». أمّا المحطة الثالثة، فمسؤولة عن ضخ المياه إلى قسم كبير من الأحياء الغربيّة للمدينة وصولاً إلى حي الزهراء. وقد تبيّن أنّ هذه المحطّة مصابة بأضرار بالغة، بوشرت أعمال الصيانة فيها، ولم تنتهِ حتى الآن.

القطاع الصحي

وسط ظروفٍ بالغة الصعوبة يستمر عمل مشفى الرازي الحكومي الذي يتحمّل العبء الأكبر في تقديم الخدمات الطبيّة واستقبال الحالات الإسعافيّة على سواء. وخلال العامين الأخيرين تحوّل مبنى المشفى إلى حاضنٍ فعلي لثلاثة مشافٍ تضم (إضافةً إلى الرازي) كلّاً من مشفى الأطفال والعيون، ومشفى زاهي أزرق للحميّات. كان مقرّ مشفى الأطفال والعيون سابقاً في حي قاضي عسكر، قبل أن تستولي عليه «جبهة النصرة» وتحوّله إلى مقر، ثم استولى عليه تنظيم «داعش» ثم استعادته «النصرة». أما مشفى زاهي أزرق، فكان مقرّه في حي الهلّك الذي وصلته نيران المعارك قبل سنوات. وحتى الآن نجح الكادر الطبي والإداري في مشفى الرازي في مواصلة العمل بجاهزية تامّة، والحفاظ على احتياطي من الّدم يجري تعويض أي نقص فيه على نحو فوري. كذلك يواصل كلّ من مشفى الجامعة، ومشفى التوليد وأمراض النساء الجامعي عملهما. كما يستمر عدد لا بأس به من المستشفيات الخاصّة في استقبال المرضى وإجراء العمليّات الجراحيّة بمختلف أنواعها. ويختلف الحال جذريّاً في القسم الشرقي من المدينة، حيث خرجت معظم المشافي من الخدمة بفعل المعارك والقصف. وانخفضت إلى حد كبير الأدوية والمستلزمات الطبيّة وأعداد الطواقم الطبيّة والإسعافيّة. وعلى نحو مماثل تشهد الأحياء الخاضعة لسيطرة المسلّحين مقدمةً لأزمات غذائيّة، لم تصل بعد إلى مرحلة انعدام المواد، ولكنّها تشهد ارتفاعات كبيرة في أسعارها بعدما توقّفت الإمدادات، وعمد المحتكرون إلى مضاعفة أسعار المواد التي سبق أن خزّنوها في انتظار «فرصة» مماثلة.

الاتصالات والانترنت

استعادت خدمة الاتصالات الخلوية عافيتها إلى حدّ كبير في الأحياء الخاضعة لسيطرة الدولة السوريّة، بعدما أجريت عمليات صيانة لأبراج التغطيّة، فيما تنخفض جودة الخدمة في الأحياء الشرقيّة للمدينة تبعاً لحال الأبراج في تلك الأحياء، وقرب وبعد الأبراج الموجودة غربي المدينة. وقبل أيام عادت خدمة الانترنت «ADSL» إلى الأحياء الغربيّة بعد انقطاع طال كثيراً.

فنادق وحمّام وحيد

حال الفنادق يبدو سيّئاً. أربعةٌ منها تأخذ على عاتقها تخديم الزائرين بالحد الأدنى من الخدمات المعهودة (في الأحياء الخاضعة لسيطرة الدولة السوريّة بطبيعة الحال). المكيّفات والمصاعد ترفٌ لا مكان له في ظل الاعتماد على المولّدات لتغذية الفنادق بالكهرباء. الماء الساخن يتوافر ساعةً او اثنتين على الأكثر. حمام الزين هو «حمّام السوق» الوحيد في الأحياء الغربيّة للمدينة هذه الأيّام. وهو جاهزٌ لاستقبالك يوميّاً بين العاشرة صباحاً والرابعة مساء للسيدات، وبين الخامسة مساء والعاشرة ليلاً للرجال، حيث يمكنك أن تحظى بحمام ساخن وصابون غار حلبيّ. وخلافاً لما كانت عليه الحال أيّام السّلم لم يعد الذهاب إلى «حمّام السوق» مشروعاً ترفيهيّاً بقدر ما أصبح وسيلةً من وسائل سدّ الحاجة إلى الاستحمام بفعل الانقطاعات المستمرّة للمياه عن المدينة، إضافة إلى مصاعب تسخين المياه (حال توافرها) بسبب الأزمات المستمرّة التي اعتادها الحلبيّون في ما يخصّ حوامل الطاقة. برغم ذلك لم يتحوّل «حمام السوق» إلى خيار أساسي للشريحة الأوسع، بسبب الوضع الاقتصادي الذي يجعل أجرة الاستحمام (1200 ليرة/ دولاران وعشرة سنتات للشخص الواحد) كلفةً مرهقةً في نظر كثير من السكان.