استقطب "مؤتمر باريس حول استقرار الموصل" مشاركة 22 دولة، إلى جانب منظمات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية. لكن الجدل أحاط بهذه المبادرة، خاصة لناحية ضعف مستوى التمثيل، إذ شارك في الاجتماع سبعة وزراء خارجية فقط، فيما تمّ تمثيل بقية الدول بدرجات أقل أهمية (اقتصرت في الغالب على السفراء في باريس). كذلك دار جدل آخر في الكواليس، وذلك على خلفية تحفّظ الخارجية الفرنسية، في البداية، على مشاركة إيران، قبل أن تتراجع عن ذلك لاحقاً، لتقبل بمشاركة طهران ممثلة بسفيرها في باريس، نزولاً عند طلب الحكومة العراقية والولايات المتحدة.

وقالت وسائل إعلام فرنسية، نقلاً عن مصادر في كواليس المؤتمر، إن واشنطن وبغداد دفعتا باتجاه مشاركة طهران، من منطلق "الاعتراض على استبعاد أيّ من دول الجوار العراقي من إجراءات ترتيب أوضاع الموصل في فترة ما بعد داعش".
وأسفر الاجتماع عن بيان ختامي انصبّ على ثلاث أوليات، توافقت الدول والمنظمات المشاركة على ضرورة الاضطلاع بها لضمان "استقرار الأوضاع في الموصل بعد تحريرها". أولاً: تأمين الحماية للمدنيين المحتجزين من قبل "داعش" في الموصل وفي البلدات المجاورة لها، لضمان عدم تضررهم، سواء خلال المعارك أو بعد التحرير، بسبب تفخيخ الكثير من الطرقات والشوارع والمباني من قبل المتطرفين. ثانياً: توفير وسائل الاغاثة الإنسانية التي يحتاج إليها النازحون والمهجرون من سكان محافظة نينوى، الذين قد تضطر أعداد كبيرة منهم الى مغادرة بيوتهم بسبب المعارك الدائرة حالياً. ثالثاً: وضع خطة بالتنسيق مع الحكومة العراقية لضمان عودة الاستقرار إلى الموصل والمناطق الأخرى المحررة من أيدي المتطرفين، وذلك وفق (مبدأ) "الحوكمة"، بما يستجيب لتطلعات سكانها ويراعي هويات وتنوع تركيبتهم (العرقية والمذهبية)، تحت مظلة السيادة الوطنية العراقية.

أحرجت مقارنة هولاند بين معارك الموصل والرقة وزير خارجيته

من جهة أخرى، أعلنت ألمانيا، على هامش المؤتمر، إنشاء صندوق ألماني ــ عراقي لإعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب ضد "داعش"، فيما أعلنت بريطانيا إطلاق مبادرة تهدف إلى "تجريم الفكر الإرهابي عالمياً".
وبالرغم من توافق الدول المشاركة على الأهمية الاستراتيجية التي تشكلها إجراءات "ترتيب الأوضاع في الموصل والمناطق الأخرى المحررة من داعش، لتفادي وقوعها مجدداً في أيدي جماعات متطرفة"، فإنّ خلافات سياسية عدة ألقت بظلالها على المؤتمر.
وظهر ذلك بوضوح من خلال تباين الرؤى بين وزيري خارجية فرنسا والعراق، جان مارك ايرولت وإبراهيم الجعفري، اللذين جرى الاجتماع تحت رئاستهما المشتركة. وكان ملفتاً أن جان مارك ايرولت أشاد بـ"بسالة قوات الجيش العراقي والبشمركة الكردية في الحرب ضد داعش"، مكتفياً بالإشارة إلى بقية القوات المشاركة بأنها "قوات إسناد أخرى تدعمهم". وهذا ما دفع إبراهيم الجعفري إلى الإشادة مطولاً بقوات "الحشد الشعبي"، مثمّناً الدور الذي تضطلع به في مواجهة "داعش". وندّد الجعفري بـ"الدعاية المغرضة التي تسعى لتصوير قوات الحشد بوصفها ميليشيات طائفية".
وفي النهاية، تمّ التوافق بين الوزيرين على تضمين البيان الختامي للمؤتمر فقرة انصبّت على "تثمين تضحيات وأرواح كل المقاتلين الذين سقطوا في المواجهة ضد داعش، سواء كانوا من أفراد الجيش والشرطة العراقيين أو من قوات الحشد الشعبي، أو من مقاتلي العشائر (العربية السنيّة)، أو من البشمركة".
نقطة أخرى أثارت الجدل والتساؤلات، تمثلت في إشارة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، في الكلمة التي ألقاها في افتتاح المؤتمر، إلى أنّ معركة الموصل، على أهميتها، ليست سوى مرحلة في الحرب ضد "داعش"، والتي قال إنها "يجب أن تتواصل على المنوال نفسه، حتى تحرير الرقة".
وبينما أشار هولاند إلى ضرورة "التحرك على أفضل وجه على صعيد ملاحقة الإرهابيين الذين بدأوا مغادرة الموصل للوصول إلى الرقة"، فقد بدا الحرج على وزير الخارجية الفرنسي، جان مارك ايرولت، حين سُئل، خلال المؤتمر الصحافي الذي عُقد في ختام الاجتماع: كيف يمكن لمعركة تحرير الرقة أن تجري على المنوال نفسه الذي تجري وفقه معركة الموصل حالياً؟ ففي العراق يستند "التحالف الدولي" إلى الجيش الحكومي العراقي والقوات المحلية الموالية له، وهو أمر غير متاح للتحالف الغربي في سوريا. واكتفى ايرولت بالقول إنّ "التحالف الدولي في سوريا سيستند الى مرجعية شرعية الأمم المتحدة"، قبل أن يستدرك قائلاً: "إنّ معركة تحرير الرقة لا يمكن، بكل الأحوال، أن تتم في الظروف الحالية، فيما يجري قتل المدنيين في حلب".