«طارق يوحنا عزيز»، هكذا كانت الإذاعات السعودية والخليجية تذكر اسمه كاملاً لكي يعرف جمهورها الطائفي أن وزير خارجية العراق، الأكثر شهرة ومهابة، ليس سوى مسيحي (كلداني كاثوليكي).

طارق عزيز (أبو زياد) كان علامة على الطابع شبه العلماني لنظام الرئيس الراحل صدام حسين، كان الرجل الثاني، بل ربما كان الوجه المثقف الناصع للنظام الدكتاتوري.
طارق عزيز 1936 ـــ 2015 بدأ حياته المهنية مدرساً للغة الانكليزية. انكليزيته الراقية المحكمة ساعدته على الصعود بين رفاقه البعثيين الذين لا يتقنون اللغات الأجنبية.

لكن ليس لغته فقط التي وضعته على رأس وزارة الخارجية العراقية (1983 ـــ 1991) بل وفي الموقع الدائم على رأس الدبلوماسية العراقية حتى الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003. ثقافته لعبت دوراً، ورزانته، وهدوؤه وقدراته الدبلوماسية المميزة، وولاؤه الدائم للرئيس صدام حسين.
عام 1980 نجا طارق عزيز من محاولة اغتيال نظمها حزب «الدعوة» (حزب رئيس الوزراء اللاحق نوري المالكي)، لكنه وجه من معتقله لاحقاً، رسالة الى المالكي، طالبه فيها بالتعجيل في تنفيذ حكم الإعدام بحقه. كان بالطبع حكماً صادراً عن محكمة هزلية مسيسة انتقامية إصدرت بحق عزيز حكم الإعدام.

لم يتورط عزيز
في ما عرف عن نظام
صدام حسين من أعمال
قمعية
لكن المكانة الدولية للرجل، وعدم ثبوت ضلوعه في أعمال قمعية أو جرمية، وعلاقته المميزة بالفاتيكان وبالدبلوماسية الروسية، كل تلك عوامل أدت الى تردد النظام الجديد في العراق، في تنفيذ الإعدام بحقه. لم يتورط عزيز في ما عرف عن نظام الرئيس صدام حسين من أعمال قمعية، ولم يتورط في الفساد. وعلى رغم اخلاصه الشديد لرئيسه، وهو اخلاص دفع الكثيرين من المسؤولين العراقيين إلى مواقف تفتقر إلى المهنية والسمو، الا ان طارق عزيز كان مهنياً وممتلئاً بالثقة بنفسه، وبالفخار لكونه «ممثل العراق العظيم».
أمام انظار العالم كله، وقف طارق عزيز الى جانب وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر في 9 كانون الثاني 1991 في مؤتمر صحافي تاريخي أوضح فيه عزيز ان قصة العراق مع الكويت لم تبدأ في 2 آب 1990 حين دخلت القوات العراقية الى الكويت، ولكنها بدأت قبل ذلك بكثير. قال: «نحن حكومة نشيطة تشتغل كثيراً ونقرأ ونحلل ونتابع ونسعى للدفاع عن بلدنا وابنائه. لسنا عدوانيين، لكن الضغوط المتتالية على اقتصادنا من قبل حكام الكويت، اصبحت لا تحتمل».
قال عزيز ـــ الأكثر تشدداً من صدام نفسه ـــ «الكويت عراقية. وكل زعماء العراق طالبوا بها، فيصل الأول، والملك غازي، ونوري السعيد، وعبد الكريم قاسم».
كانت قضية صدام حسين في الكويت خاسرة ـ مع ان الكثير من العرب رأوها عادلة ـــ لم تكن القوات العراقية التي تورطت في حرب طويلة مع إيران، جاهزة لمقاومة أكثر من نصف مليون جندي حشدتهم الولايات المتحدة في ما سمي «حرب تحرير الكويت»، تلك الحرب التي سمحت للاميركيين بالوجود العسكري الكثيف في الخليج، ووضعت العراق تحت قيود حصار صارم وحاقد، كان هدفه تدمير الدولة الوطنية العراقية وتجويع شعبها وتفكيك قدراتها الاقتصادية ونظامها التعليمي والطبي، ما أدى إلى استشهاد مئات الألوف، خاصة من الأطفال. كانت تلك جريمة العصر التي حبكتها الولايات المتحدة والسعودية ودول الخليج بين عامي 1991 و2003 حين قامت القوات الأميركية، بتسهيلات سعودية وكويتية، باحتلال العراق واسقاط نظامه وحل الجيش العراقي وفرض دستور طائفي يقوم على المحاصصة ويرمي إلى تقسيم البلاد.
في سنوات الحصار الصعبة، لعب طارق عزيز ادواراً عديدة وفاعلة، واستخدم مهاراته وعلاقاته الدولية من أجل رفع الحصار عن العراق أو التخفيف من حدته.
في تلك الأعوام، كان طارق عزيز في الواقع هو رجل العراق، عمل ليلاً ونهاراً من أجل وطنه وشعبه. وكان يبحث عن بدائل اجتماعية وسياسية لتجاوز الآثار الضارة للحصار الظالم وتحويله إلى فرصة للتنمية.
في شباط 1992، التقيت بالراحل طارق عزيز في منزله، سحابة يوم كامل، ودار الحديث بيننا حول نقطتين رئيسيتين: الأولى، ان السعودية ودول الخليج تعادي الدول الوطنية العربية جذرياً وأنه لا خلاص للعراق والعرب، من دون وضع حد لهذه الأنظمة الرجعية السوداء. والنقطة الثانية تعلقت بالبدائل التنموية تحت الحصار وإمكانية التحرر من التبعية للرأسمالية العالمية. أدهشني ابو زياد بسعة اطلاعه وكثافة قراءاته، وقد طلب الي ان أرسل اليه مجموعة مؤلفات المفكر الماركسي المصري سمير أمين من عمان. وقد ارسلتها فعلاً.
بدأ طارق عزيز صحافياً وقيادياً إعلامياً، وكان على صلة، في السبعينيات، بالعديد من المثقفين العراقيين. وقد خاض، بالفكر والكلمة، معارك نظام الرئيس صدام حسين، الا انه كان يدرك مدى الخور الثقافي والسياسي لكثير من قادة حزب البعث الحاكم.
كان طارق عزيز عاشقاً للعراق، وأوقف حياته من أجل تعزيز مكانته الدولية. ومنذ ثلاث سنوات تحدثت وكتبت عدة مرات، مقترحاً إطلاق سراح طارق عزيز، كانت تلك ستكون رسالة ايجابية إلى مسيحيي الشرق وصفعة مدوية للقوى التكفيرية والإرهابية.
كان على النظام العراقي الجديد ان يكون أكثر ذكاءً وتسامحاً ويطلق سراح ابي زياد حياً، ويفيد من خبرته ومكانته، خصوصاً في مواجهة بعثيين تحولوا إلى «دواعش». عاش طارق عزيز رجلاً ورحل رجلاً. عاش من أجل العراق، ومات من أجله.