بين مدينة حلب وريفها الشمالي قاسم مشترك أساسي، كلمةُ سرّه تركيّة في الدرجة الأولى. التزامن لا يبدو اعتباطيّاً بين فشل الخطة الروسيّة في المدينة وتدشين الغزو التركي مرحلةً جديدة من مراحل «درع الفرات» أبرز عناوينُها الاستهداف المباشر لمناطق سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية». توسيع العدسة قليلاً سيكونُ كفيلاً بضمّ معركة تحرير الموصل إلى الصورة، في ظل استمرار الاشتباك السياسي حول دور تركيّ تجهدُ أنقرة لانتزاعه بوسائل شتّى. ويبدو جليّاً أنّ أنقرة تتعامل مع الجبهات الممتدة بين الموصل وحلب بوصفها «سلة متكاملة»، فيما تؤكّد معطيات عدّة أنّ الخطط التركية تلحظ في عين الاعتبار احتمال الاضطرار إلى البحث عن «درع دجلة» في العراق أسوة بـ«درع الفرات» في سوريا. وخلافاً للتفاؤل الذي أفرطت بعض القراءات في إشاعة أجوائه حول نجاح الخطة الروسية في الأحياء الشرقيّة لمدينة حلب على وقع تصريحاتٍ تركيّة بدَت «مُشجّعة»، أثبتت المُجرياتُ أنّ تلك التصريحات لا تصلحُ لأكثر من الاستهلاك الإعلامي. ولا يبدو أنّ المُعطيات السياسيّة في ما يخصّ مدينة حلب تعِدُ بأيّ تغيير في التعاطي الإقليمي والدولي معها، فيما تشير المعطيات الميدانية إلى انفجار وشيك لمعظم الجبهات الحلبية حال اكتمال تحشيداتٍ انخرطت الأطراف في إعدادها خلال الهدنة الأخيرة. واستبق الجيش السوري وحلفاؤه الانفجار المُرتقب بشنّ عمليّات على محاور الريف الجنوبي الغربي أدّت إلى السيطرة على كتيبة الدفاع الجوي، قبل أن تتداعى «جبهة فتح الشام/ النصرة» وأخواتها إلى شنّ هجوم مضاد سعياً إلى استعادتها. وتبدو عمليّات الجيش على هذا المحور بمثابة تمهيدٍ يستبق عودة العمليات على مختلف محاور الأحياء الشرقيّة للمدينة، ويسعى في الوقت نفسه إلى قطع الطريق على أيّ تحرّك لـ«النصرة» وحلفائها عبر المنافذ الجنوبيّة الغربيّة.
تشير المعطيات إلى انفجار وشيك لمعظم الجبهات الحلبية
ويكتسب تقدّم الجيش حال نجاحه في تثبيت السيطرة أهميّة استراتيجيّة، سواء في ما يتعلّق بخطوط الاشتباك في كلّ من البريج والراشدين الخامسة، أو ما يرتبط ببلدة خان طومان. في الوقت نفسه، تتواصل معارك الاستنزاف على محوري الـ«1070» شقّة وحي الشيخ سعيد، فيما يستمر الحديث عن استقدام تعزيزات جديدة للجيش وحلفائه في حلب، وسط تكهّنات عن قرب إطلاق معركة جديدة تستهدف السيطرة على الأحياء الشرقيّة للمدينة. وعلى المقلب الآخر، تواصل أوساط المجموعات المسلّحة الترويج لـ«ملحمة كبرى» وشيكة تهدف إلى فك الحصار عن مسلّحي الأحياء الشرقيّة. ويصعبُ تصوّر قيام المجموعات المسلّحة بشنّ أي عملية من هذا النوع من دون دعم تركي مفتوح، الأمر الذي ينسحبُ على رفض مسلّحي الأحياء الشرقية التجاوب مع أي مسعى تفاوضي لإخلاء تلك الأحياء. وعلاوةً على المسعى الروسي المُعلن، كانت المجموعاتُ قد عطّلت مسعىً أمميّاً لفتح معبر «إنساني» نحو حي الشيخ مقصود الواقع تحت سيطرة «وحدات حماية الشعب» الكرديّة. وكان من المفترض أن يؤمّن هذا المعبر في الدرجة الأولى خروجاً لـ«أكثر من عشرين موظّفاً وعاملاً مع منظمات أممية إنسانيّة، إضافة إلى عدد من المدنيين»، وفقاً لما أكّدته مصادر واكبت الملف لـ«الأخبار». ولعب «الفيتو» التركي دوراً محوريّاً في إحباط هذا المسار، حرصاً على «عدم منح الأكراد امتياز القيام بدور فاعل في هذا الملف». ويتزامن تسخين خطوط النار حلبيّاً مع تصعيد تركي جديد في الشمال، حيث قادت القوات التركية الغازية مجموعات «درع الفرات» في هجمات عنيفة استهدفت بشكل مباشر مناطق سيطرة «قوات سوريا الديمقراطيّة». ويؤكد مصدر من داخل المجموعات المشاركة في «درع الفرات» لـ«الأخبار» أنّ «المرحلة الحاليّة من العمليّات لن تتوقّف قبل طرد الأكراد من جميع المناطق التي احتلّوها، من تل رفعت وصولاً إلى كفرنايا». ولا يبدو أنّ الأهداف المتوخاة من العملية تقتصر على استعادة تلك المناطق، حيث شملت الهجمات مناطق سبق لـ«قسد» أن حرّرتها من تنظيم «داعش»، مثل حربل وأم حوش. ومن المرجّح أن تسعى غرف العمليات التركيّة إلى تحجيم سيطرة «قسد» ومحاولة إقصائها إلى داخل الحدود الإداريّة لمنطقة عفرين في هذه المرحلة. ومن شأن تحقيق هذا الهدف أن يُسهّل أي تحرّك تركي تالياً نحو منبج الواقعة تحت سيطرة «قسد» عبر «المجلس العسكري لمنبج وريفها» أو نحو الباب الخاضعة لسيطرة «داعش»، وهي المعركة التي أكّدت «قسد» مراراً أنّها تحظى بأولويّة كبرى لديها. وخلافاً لمعارك «درع الفرات» ضدّ «داعش» (التي امتازت بسهولة تجعلها أقرب إلى الصورية) عجزت قوّات «الدرع» خلال الأيّام الماضية عن تحقيق تقدّم فعلي على جبهات «قسد»، رغم الإسناد الناري الكثيف الذي وفّرته المدفعية التركيّة. وشهدت محاور عين الدقنة، الشيخ عيسى، السموقيّة، معارك عنيفة بين الطرفين. وأفلحت قوات «قسد» في تنفيذ التفاف ناجح في الشيخ عيسى، أسفر عن «مقتل عدد من قادة الهجوم، ومن بينهم ضبّاط أتراك»، وفقاً لتأكيدات مصادر كرديّة لـ«الأخبار». كذلك أكّدت مصادر ميدانيّة لـ«الأخبار» أنّ «لواء الشمال الديمقراطي» (أحد مكوّنات «قسد») قد أسقط أمس طائرة استطلاع تركيّة على جبهة أم حوش. المصادر ذاتها قالت إنّ «قسد قد غنمت عربة بي إم بي تركيّة على جبهة الشيخ عيسى في منطقة الطويحنة». وغابت الطائرات التركية عن سماء الشمال أمس، بعد أن سجّلت حضوراً كثيفاً في الأيّام السابقة واستهدفت غير منطقة، مُسقطة عدداً من مقاتلي «قسد»، إضافة إلى ارتكابها مجازر بحقّ مدنيين. وكان الجيش السوري قد سجّل موقفاً (هو الأبرز من نوعه منذ بدء الغزو التركي) عبر بيان حذّر من أنّ «أي محاولة لتكرار خرق الأجواء السورية من قبل الطيران الحربي التركي سيتم التعامل معه وإسقاطه بجميع الوسائط المتاحة». يأتي البيان المذكور بمثابة رسالة سوريّة – روسيّة مشتركة موجّهة إلى أنقرة، لا سيّما بعد أن قامت موسكو قبل فترة بتزويد الجيش السوري بمنظومات دفاع جويّ جديدة. وقال «عضو مجلس سوريا الديمقراطيّة» ريزان حدّو لـ«الأخبار» إنّ «مجلس سوريا الديمقراطيّة والمقاومة الوطنيّة السوريّة ينظران بإيجابيّة كبيرة إلى البيان، ويتمنيّان استتباعه بخطوات أخرى، على رأسها تقديم شكوى رسميّة إلى مجلس الأمن الدولي بدعم من الحلفاء الروس لوضع حدّ للاعتداء التركي على أراضٍ سوريّة». حدّو أكّد في الوقت نفسه أنّ «قوات سوريا الديمقراطيّة مستمرّة في التصدي للغزو التركي، وهي قادرة في حال مدّها بدعم عسكري سوري لا على إفشال الهجمات فحسب، بل وعلى دحر القوّات الغازية من كل المناطق التي احتلّتها».





رسائل إلى دمشق

«مستعدّون في حال دعمنا سياسيّاً وعسكريّاً لاستعادة السيطرة على المناطق الممتدة من عين العرب إلى عفرين، لفتح مسارٍ بري سوري من الحسكة إلى حلب وبالعكس». هذه خلاصةُ ما أكّدته مصادر في «مجلس سوريا الديمقراطيّة» لـ«الأخبار». المصادر التي أشارت إلى الصعوبات التي تعترض السلطات السورية في ما يخصّ انعدام الطرق البريّة إلى الحسكة، أكّدت أنّ «إفشال مشروع الاحتلال التركي هو ليس مصلحة ضيقة للأكراد كما يشاع، بل هو مصلحة وطنية للدولة السورية»، وأضافت «على سبيل المثال، طريق ثروات الجزيرة السورية إلى باقي مناطق سوريا سيكونُ سالكاً عبر هذا المسار لسد جزء من الخلل في الاقتصاد السوري». في الوقت نفسه شدّدت المصادر على أنّ «إحياء حوار وطني سوري – سوري بين الحكومة والمجلس يبدو حاجةً ملحّة في هذه المرحلة، ويمكن أن يبني على ما أُنجز سابقاً في حميميم بوساطة روسيّة، لقطع الطريق على كل من له مصلحة في زرع الخلاف وتصعيده بين القوتين العسكريتين الشرعيتين في سوريا: الجيش، وقوات سوريا الديمقراطيّة». المصادر اختتمت بالقول إنّ «هذا الموقف هو موقف النسبة الأكبر من الأكراد السوريين في هذه المرحلة».




«قسد»: الناتو هو من يهاجمنا

رأت مصادر في «مجلس سوريا الديمقراطيّة» أنّ الهجوم التركي المستمر على أراضٍ سوريّة هو «بشكل أو بآخر هجوم يُنفّذه حلف الناتو». المصادر أكّدت لـ«الأخبار» أنّه «في ظل صمت الحلف المشبوه، فمن الواضح أنّ هناك دعماً منه للغزو التركي، أو هو على الأقل رضى عنه». المصادر أكّدت لـ«الأخبار» أنّ «الموقف الأميركي أشبه بضحك على اللحى، وكل ما قد يُقال عن استغلال أنقرة لانهماك واشنطن في الملف الانتخابي هو ضربٌ من العبث. كلّنا يعلم أنّ هذه الملفات بيد الجيش والسي آي إيه، ولا يمكن لانتخابات أو غيرها أن يؤثّر عليها».