انقضت أيام «الهدنة» الثلاثة في مدينة حلب ضمن إطار التوقعات بفشلها في تحقيق خرق من شأنه التأسيس لتهدئة طويلة الأمد. إذ لم يجد الاندفاع التركي لدعم المبادرة الروسية طريقه إلى أحياء المدينة الشرقية، مع رفض المجموعات المسلّحة بشكل كامل الخروج، أو السماح للمدنيين بالمغادرة، رغم وساطات أممية لإجلاء عدد من المصابين، حملت أول من أمس، بعدد من سيارات المنظمة الدولية إلى داخل الأحياء الشرقية لتخرج دون التوصل إلى أي نتيجة في هذا الشأن. ومع مرور يوم إضافي خارج نطاق «الهدنة»، عادت الاشتبكات إلى عدد من محاور المدينة وطوقها بشكل جزئي وخفيف، باستثناء تقدم لافت للجيش السوري وحلفائه على محور كتيبة الدفاع الجوي في ريف المدينة الجنوبي، المحاذي لطريق حلب ــ خان طومان التي تعتبرها الجماعات المسلحة منطلقاً لأي عمل عسكري باتجاه المدينة من الجهة الجنوبية الغربية.

ومع انتهاء التهدئة دون إحراز أي تقدم موازٍ في مباحثات جنيف حول «فصل المعتدلين عن الإرهابيين»، والإصرار الروسي على شرط خروج «جبهة النصرة» من الأحياء الشرقية كشرط مسبق لـ«هدنة دائمة»، ينتظر أن تعود حرارة الاشتباكات إلى جبهات المدينة، بالتوازي مع خلوّ المسار الديبلوماسي من أي مبادرات بديلة لـ«الهدنة» المنتهية التي خرجت عقب اجتماع لوزان، باستثناء ما كشف عنه وزير الخارجية المصري، سامح شكري، حول مشاورات تجريها بلاده مع كل من إسبانيا ونيوزيلاندا ضمن إطار مجلس الأمن الدولي، لإعداد مشروع قرار مشترك حول سوريا. ولفت خلال مؤتمر صحافي، أول من أمس، مع نظيره الإسباني خوسيه مانويل مارجايو، إلى أن «مشروع القرار يتناول وقف الأعمال العدائية والتوصل إلى حل سياسي ترعاه الأمم المتحدة من خلال المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا»، دون الإشارة إلى موعد تقديمه إلى مجلس الأمن.
وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت أن عملية إجلاء المرضى والجرحى ــ التي كانت مقررة بالتنسيق مع البعثة المصرية في دمشق ــ من أحياء حلب الشرقية لم تبدأ، بسبب «فقدان الضمانات الأمنية». وأوضح المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية يانس لاركه، لوكالة «نوفوستي» الروسية أنه «كان من المستحيل بدء إجلاء الجرحى والمرضى وأفراد عائلاتهم من حلب الشرقية صباح السبت»، لافتاً إلى أن «الفندق الذي يوجد فيه مقر الأمم المتحدة» في المدينة، تعرض لإطلاق نار «أصاب أحد الموظفين فيه بجراح خطرة».
من جهة أخرى، أوضحت موسكو ثبات موقفها في دعم دمشق وحلفائها، إذ أعلن المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف، أن عمليات بلاده العسكرية في سوريا تهدف إلى تحريرها من الجهاديين، مضيفاً في مقابلة أول من أمس، مع قناة «روسيا 1» أنه «لا يوجد خيار ثالث في سوريا... إما أن يكون (الرئيس بشار) الأسد في دمشق وإما أن تكون جبهة النصرة». وأشار إلى أنه ينبغي بذل كل الجهود لمنع تقسيم البلاد الذي سيقود إلى «أكثر النتائج كارثية للمنطقة»، محذّراً من أن هزيمة الأسد لن تقود إلا إلى «موجة جديدة من اللاجئين».
وفي المقابل، تتابع واشنطن وحلفاؤها الحشد ضمن إطار المؤسسات الدولية للتضييق على موسكو ودمشق، والضغط لإيقاف أي عملية عسكرية محتملة في حلب. إذ تسعى إلى إمرار قرار في مجلس الأمن، يدين دمشق بتهمة استخدام أسلحة كيميائية. وضمن هذا السياق، دعا وزير الخارجية الفرنسي جان مارك ايرولت، خلال زيارة لمدينة غازي عنتاب التركية القريبة من الحدود مع سوريا، المجتمع الدولي إلى «القيام بكل ما هو ممكن» لوقف «المجزرة في حلب». وأعرب عن أمله في عدم عرقلة التصويت في مجلس الأمن على مشروع القرار، معتبراً أن استخدام الفيتو سيكون «شكلاً من أشكال التواطؤ مع ما يحدث من فظائع». وبدورها، أدانت الولايات المتحدة الأميركية «استخدام قوات النظام السوري للأسلحة الكيميائية». وقال بيان للمتحدث باسم مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض نيد برايس، إن «النظام السوري انتهك اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية والقرار 2118 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، من خلال استخدامه الكلور الصناعي».