لم يكن مناضلو "جبهة التحرير الوطني"، حزب الأغلبية في الجزائر، يعلمون أنّ أمينهم العام المثير للجدل، عمار سعداني، كان يقضي ساعاته الأخيرة في القيادة قبيل انعقاد اجتماع تنظيمي عادي للحزب، أول من أمس. بيد أنّ ما كان يتداول كإشاعة لم يصدقها أحد، أصبح حقيقة بعدما نطق سعداني بنفسه بكلمات الاستقالة، وسط ذهول وصرخات في القاعة، أعقبتها حيرة وتساؤلات.

سقط أخيراً عمار سعداني من قيادة "جبهة التحرير"، بعدما كان أحد أبرز أقطاب الحياة السياسية في بلاده، وكان يتميّز بإثارته للجدل وباختياره "الضحايا" بعناية، ما جعل "سقوطه" مفاجئاً ومدوياً وأفرح الكثير من خصومه الذين احتفلوا بالنبأ، وأبكى بالمثل أنصاره الذين اتهموه بتركهم في منتصف الطريق. وبينما مضى هو بقراره غير عابئ بالجميع، خاطب محبيه كما مناوئيه، قائلاً: "إنّ القانون الداخلي للحزب يعطيني الحق في الاستقالة، وعليكم أن تحترموا قراري".

بات صعباً إبقاء سعداني لأن كلامه صار محسوباً على الرئاسة

لم يتنبأ أحد قبل يوم السبت باستقالة سعداني، فقد كتبت كل الصحف المحلية عشية الاجتماع، تتنبأ بما سيقول، وخاصة أنّ الرجل كان في موقع قوة يؤهله لأن تُؤخذ جلّ أقواله على محل الجد. لكن سعداني صنع الحدث، هذه المرة، بطريقة أخرى، ليس بسبب ما قال، ولكن بقرار تنحيه من قيادة الحزب، دون أن يذكر في ذلك أي أسباب، عدا تواريه وراء المبرر الصحي الذي لم يُقنع أحداً.
عمار سعداني الذي جاء إلى "الأفلان" (تسمية جبهة التحرير الوطني في الجزائر) قبل ثلاث سنوات، بعد رحيل غريمه السابق عبد العزيز بلخادم، صنع لنفسه سريعاً اسماً، وخاصة عبر توجيهه اتهامات خطيرة في ربيع سنة 2014 (شباط/فبراير 2014)، لقائد المخابرات السابق، الفريق محمد مدين، الرجل القوي في النظام الجزائري. كانت رصاصات سعداني الموجهة نحو صدر "الجنرال توفيق" بمثابة الانتحار ضمن المشهد السياسي الجزائري، إذ لم يجرؤ سياسي قبله على التفوّه بمثل ذلك الكلام ضد من كان يُسمى "صانع الرؤساء في الجزائر".
بدا في حينه أنّ الهدف من الصدام مع الجنرال توفيق كان تحرير الرواق أمام الرئيس بوتفليقة ليترشح لولاية رئاسية رابعة، بعدما أشيع أن قائد المخابرات معارض لذلك. ونجح سعداني في مهمته إلى حد بعيد، ولم يصب بأذى بعكس ما كان متوقعاً، فانتهى الحال بفوز بوتفليقة بولاية رابعة وبإقالة الجنرال توفيق من قيادة المخابرات في أيلول/سبتمبر 2015، وصار سعداني منذ ذلك الوقت "مدلل" وسائل الإعلام التي أصبحت تتهافت على تصريحاته وتتناقلها كما لو كان صاحبها الرئيس نفسه. غير أن الأمين العام للجبهة، مزهواً بالمكانة التي يحظى بها، صار يتمادى كثيراً في تصريحاته، فيتهم من يشاء، بما يشاء، دون مراعاة حساسية المنصب الذي هو فيه. وكان أن طعن مثلاً قبل أسبوعين بغريمه في الحزب، عبد العزيز بلخادم، واتهم عائلته بالعمالة للمستعمر الفرنسي، ثم عاد واتهم الجنرال توفيق، بأنه كان وراء أحداث الفتنة الطائفية بين الإباضيين والمالكية في مدينة غرداية جنوبي البلاد.
لم يعد ممكناً مع هذه التصريحات، وفق ما ذكره أعضاء من اللجنة المركزية للجبهة في حديث مع "الأخبار"، "استمرار سعداني على رأس الحزب، لأن كلامه صار محسوباً على الرئيس بوتفليقة نفسه الذي يُعدّ رئيس الحزب الفعلي". وأضافت المصادر أنّ "هذا الواقع اضطر الرئيس للتضحية بسعداني قبيل الانتخابات التشريعية من أجل لمّ شمل الحزب الذي صار مشتتاً بين عدد كبير من التيارات، بينما لم يجد سعداني من وسيلة ليبدو فيها في مظهر لائق، سوى اتخاذ مبرر المتاعب الصحية التي يعانيها، ليعلن عدم قدرته على المواصلة".
ويشير اختيار جمال ولد عباس، عضو المكتب السياسي في "جبهة التحرير"، لخلافة سعداني، إلى أن بوتفليقة فضّل أن يعيد الهدوء إلى الحزب بانتقاء شخصية تتمتع بعلاقات طيبة مع مختلف الأطراف داخل الحزب. كما أنّ ولد عباس مأمون الجانب بالنسبة للرئيس لكونه يدين بولاء شديد له، وينحدر من منطقته. وفي أولى كلماته كأمين عام جديد للحزب، لم يتورّع ولد عباس في القول إن الجهاز (تسمية تطلق على الجبهة) سيدعم عهدة خامسة للرئيس بوتفليقة، مشيراً إلى أن وضعه الصحي لا يمثل أبدا عائقا، في تصريح لا شك في أنه سيشغل الساحة السياسية طويلاً في ما تبقى من ولاية الرئيس بوتفليقة الرابعة.