مرة وأنا ماشي حَدْ المخيم، طلعلي حاجز. هلق إنو يطلعلك حاجز، هادا أمر طبيعي. ويا معلم: الحاجز بالنسبة للفلسطيني شي كتير مزعج، مش لإنو الفلسطيني التعامل معه غير؛ بس لإنو ذكريات الفلسطيني مع الحواجز مربوطة بكل الخوف اللي بالدنيا. يعني بتتذكر كلام امك وستك وكل الناس الختايرة بالمخيم اللي وقفوا على حاجز متل "البربارة" بالزمانات اللي كانت عاملتو "ميليشيات القوات اللبنانية الفاشية اليمينية، وكتار غيرهم.

هلق يا معلم وقفني المخلوق على الحاجز. هو بصراحة ما وقفني، اللي صار حرفياً، إنه أنا كنت ماشي، وفجأة هبط علي، رغم اني كنت ماشي عادي حد الحاجز، يعني لا راكض، ولا هربان. بعدين لإنه شكلي مع شعري الأبيض بيخلي المنطق يقول، إنه أكيد إذا نادالي (من دون ما ينط ويقفز ليمسكني) أكيد ما رح أهرب. بس هو ما فهم هادا الشي. وسألني كأنه "كمش" أهم مجرم بالكوكب: وين هويتي. أنا بلحظتها ما قدرت أمنع نفسي وأحكي بلهجة حدة كتير: "إنه معلم شو مالك؟ شو في؟ ليش هيك نطيت؟ شو صابك؟". هون يا معلم تغيرت الأشياء، وزي ما بيقول عادل إمام بمسرحية الواد سيد الشغال: "النسر اللي على جبينه طار"، وهادا اللي صار يا معلم: توحش العسكري، وصار ينط من محل لمحل حواليي، أنا بلحظتها، ولحظتها بس فهمت اللي رح يصير، أي رفع ايد، أي تحرك غير مناسب من قبلي، رح تعقبه بارودة ملزقة بوجهي، فضلاً عن زيارة غير محببة لدكتور الاسنان اللي أنا بكرهه وبخاف منه كتير.

باختصار أنا فهمت إنه بلحظتها رح أصير ضحية لبطولة غير مناسبة بليلة غير مناسبة. قلتله بكل لطف الكوكب: "أنا نسيت هويتي بالبيت"، (طبعاً بقصد الملحفة الزرقا ذات الحجم العملاق)، اللي أصلاً هو لطف كذاب، لانه أنا اصلا لا حابه ولا بدي أكون لطيف معه، وهو عارف هادا الشي، ومبسوط فيه أصلاً، إنه "خوفني" يا معلم! هلق كله كوم ولما عرف إني فلسطيني كوم تاني.
بصراحة وانا عم بكتب المقال ما قدرت ما أضحك أد الكوكب، إنه أول ما خبرته إني فلسطيني (وناسي هويتي بالبيت أكيد). قللي: "وفلسطيني كمان!". فأنا ولإني عنجد ما بعرف أكون غير أنا، ما سمعت حالي غير عم بقول: "ليش صاروا عم يلقطونهن للفلسطينية؟". طبعاً كان لازم أسكت وأمنع نفسي عن الكلام. بس شو بدك الفلسطيني كائن معقد وصعب بنفس الوقت. من الآخر، شدني للحاجز ووقفني هونيك ليعمل اتصالاته الدولية والمكوكية والكوكبية (الزهرة وعطارد بعتقد) ليخبرهم إنه قبض على المجرم الخطير.
طبعاً شو بدي أخبركم عن الوقفة على الحاجز، يعني شي ولا أروع: السيارات عم يمرقوا، والناس عم يتطلعوا، وانت واقف بهادا العمر زي اليتيم لإنه الشب "الأمّور" أخد تليفونك عشان ما تتصل بحدا مهم وتخليه يضربلك "تحية" سلام. أحلى شي في بنت صغيرة كانت بسيارة أهلها ضحكتلي وأنا "منقوع" هونيك على الحاجز. فأنا بطبيعة الأحوال إنه ما بحطها واطية، وإنه ما فارقة معي حتى على الحاجز، ابتسمتلها حتى إنه طلعت من جيبتي قطعة شوكولا وأعطيتها ياها. العسكري لما شافني عم بعمل هيك صار مرة تانية رح ينجن، طبعاً هو صرخ بهاي اللحظة وقال شي ما عرفت شو هو، بس استنتاجاً بعتقد إنه لازم اوقف عن اللي عم بعمله. أنا هاي المرة حسيت إنه ضاق خلقي، وقلت شو بده يصير يا معلم، كفين وبنمرق، بس لازم احلها للقصة.
قلتله ريس بدي تليفوني وخليني أحكي حدا من أهلي يجبلي هالزفتة الهوية. قالي بس ليك ها، ما تلفن لحدا غير أهلك، أنا لو جبت "الله" ما رح أمشيك من دون هويتك. طبعاً هاي الجمل اللافتة هي جزء من حياة الناس هون، باختصار وبسرعة عشان تخلص الليلة بس تلفنت لحدا "واصل" عادي قالي دقيقتين بيكون عندك "فلان" (وفلان يعني أحد الأصدقاء النافذين من إحدى العشائر البعلبكية).
مرقوا الدقيقتين، نزل "فلان" من سيارته، قاله معك "فلان" ابتسم العسكري، ما سأله عني، ما سأله عن شي، أخدني من إيدي وقالي: استاذ طيب ليش ما تلفنتلي؟ ما انت معك رقمي. حرام تفيق "فلان الفلاني" (اللي هو واسطتي) بآخر هالليل، كنت حكيني بجي عراسي".
خلصت القصة ورجعت على البيت، مش عارف افرح ولا أزعل. بس اللي تعلمته إنه بلاها الطلعة الزفت بلا الهوية الزفت.