لا تزال تلك العقدة لدينا، عندما نرى رجل قادماً من الغرب. نعتقد تلقائياً أنه يتمتع بصفات بديهية ليس أقلها كونه ذكياً وصادقاً ومحباً، وبالتالي يجب إكرامه أحسن إكرام! ليس من أجل تقاليدنا بالضيافة، بل من أجل رؤية أسنانه البيضاء حين يبتسم ابتسامته العريضة.

عقدة الخواجا ليست مرتبطة فقط ببعض الشعوب العربية، بل هي مرتبطة بالأغلب بجميع شعوب العالم الثالث الذي سبق استعباده واستعماره من قبل الرجل الأبيض، الذي يخبرك بماذا يجب أن تفعل من أجل أن تلقى بعض الرضى "من المجتمع الدولي" وممثليه حتى لو كانوا سياحاً. هنا تكمن العبودية.

أذكر أني حضرت ندوة حوارية كان فيها محاضرون فرنسيون وألمان وبرتغاليون. والبلدان الثلاثة لها ماض استعماري. أما موضوع الندوة فكان عن حرية التعبير وكيفية تكريسها. حقيقةً لم أكترث لهذه الندوة، بل أتيت في الحقيقة بدافع الفضول ولاحتساء القهوة والشاي بالمجان. بعد الندوة، كان هناك حلقة نقاش، وكان السؤال المطروح هو الآتي:" لماذا لا تزال دول العالم الثالث تعاني من نقص في حرية التعبير؟".
ولم يتأخر أصحاب عقدة الخواجا عن إلقاء اللوم على شعوب المنطقة، وقد وصلت بهم الحال الى شكر هذه الدول على ما تقوم به من أجل نشر المفهوم وتشجيع فكرة حرية التعبير. تناسى هؤلاء الوضع المؤلم الذي تعيشه تلك الدول. قلت لأحد الجالسين المتكلمين سابقاً بهذا المعنى: عفواً ولكن... علامَ تشكرهم؟ قال: انظر، جاؤوا من بلادهم ليجعلوا لنا فسحة أمل.
هنا تكمن الفكرة الأساسية، نحن لا نتعاطى مع هؤلاء القوم كما نتعاطى مع الآسيويين أو الأفارقة، بل نقوم بتقديسهم وتقديس وتصديق وتأكيد كل ما يفكرون به أو يقولونه أو يفعلونه وكأنهم كتاب ديني جديد أخرج للناس.
هم بدورهم لا يحترمونك ولا يتعاطون مع معتقداتك أو ثقافتك أو حتى أسلوب معيشتك كما نحن نفعل، ما علينا إلا جعله يبتسم أو نلمح ملامح الرضى على وجهه حتى لا نشعر بالعار. هل هناك عبودية أكثر من هذا الوضع؟ هو يصول ويجول ويلفّ الكرة الأرضية وكأنها ملكه، أما نحن فنقف لأيام وأيام في طوابير تشبه يوم القيامة أمام سفاراتهم، من أجل تأشيرة تسمح لنا بإقامة ولو لأسبوع، نشاهد فيها "أرض العجائب والأحلام" التي نسمع بها. وما إن تصل إلى هناك حتى تعرف مكانك وحجمك الحقيقي عند هؤلاء القوم من باب السفارة وشكل التأشيرة ومتطلباتها، الى المعاملة هناك بين ناسهم إن كان لك شكل أو هيئة أو لباس مصنف "غير حضاري" في مخيلتهم العامة...

إن كنت تعتقد أنك حر فأنت لست حراً. أنت مجرد عبد صغير أطلق سراحه في اسطبل المزرعة ليرعى قليلاً ويعود الى الاسطبل عبداً كبيراً راضياً عن عبوديته.