لا يبدو أن المؤتمر السابع لحركة «فتح»، الذي أُجّل بقرار رئيس الحركة محمود عباس، أكثر من مرة، سيكون محطة دورية عادية، بل تدلّ غالبية المؤشرات على أنه سيشكّل مفرق طريق أساسي في تحديد مصير التنظيم، أو على الأقل إعادة توزيع خريطة القوى لكل من عباس، ومنافسه الذي يقوى عوده يوماً بعد يوم، محمد دحلان، فيما يستفيد الأخير من خوف الأول ومن قراراته المؤذية لأصدقائه قبل أعدائه، في الحشد أكثر فأكثر.

و«المؤتمر السابع» هو أعلى سلطة تشريعية في «فتح»، لأنه يُصدّق على القوانين والأنظمة وينتخب لجانه، خاصة «المركزية» (أعلى سلطة تنفيذية)، ثم «المجلس الثوري» الذي يمثل «برلمان فتح». ولم يسبق أن أنجزت الحركة المؤتمر العام لها في موعده المحدد، والمُقرر أن يُعقَد بعد خمس سنواتٍ على انعقاد المؤتمر السابق وفق النظام الداخلي.

يريد دحلان الخارج من الضفة قبل 6 سنوات العودة رئيساً للحركة

في خضم إعلان اللجنة التحضيرية للمؤتمر اكتمال 90% من الاستعدادات لإجرائه في رام الله، يجد دحلان ومناصروه أنفسهم خارج إطار الدعوة، بل يرون في الحدث المنتظر منذ سبع سنوات «مسرحية» كسالفه، أو سيتحول إلى محاصصة وتقسيمٍ للكعكة. لكن الأمر الوحيد الذي يُجمع عليه الفتحاويون، هو وجود الأسير مروان البرغوثي في «المركزية» كشخص مجمع عليه من التيارين.
في إطار التحشيد، لا يَخفى أن دحلان يُغدق المال على مناصريه وعناصره في غزة، التي تسيطر عليها «حماس»، أو حتى في الضفة الواقعة بيد السلطة الفلسطينية وتحت الاحتلال الإسرائيلي، ولكن التغير الأهم هو انقسام كتلة «فتح» النيابية إلى صفين بين عباس ودحلان، وتوسّع قائمة المتحالفين مع الأخير.
أما المشهد الخطير، فهو ما يحوم من مسلحين حول نواب دحلان في الضفة، خاصة بعد فصلهم عبر «لجنة مكافحة التجنح» في الحركة، وهو ما دفعهم إلى الاستقواء وعقد اجتماع قبل أيام في مخيم الأمعري في رام الله، انتهى إلى فضّه بيد أجهزة أمن السلطة.
ونصيب الأسد من مؤيدي التيار الدحلاني، الذي يُحبّذ تسمية نفسه «التيار الإصلاحي» صار يتركز في المخيمات الفلسطينية في الضفة، إلى جانب شعبيته في أوساط الجماهير الفتحاوية في غزة، خاصة مسقط رأسه جنوبي القطاع.
أما «أبو مازن»، فبادر هذه المرة إلى ترؤس «اللجنة التحضيرية للمؤتمر السابع»، على خلاف العادة، فأطلق لنفسه العنان بالتوقيع على جُملة من قرارات الفصل بحق قيادات ستحرم حضور المؤتمر، ونحّى قيادات من زمن ياسر عرفات عن المشهد، وعمد إلى مخاصمتهم.
وزادت خطوات عباس بعد الاجتماع الأخير في الضفة، الذي نصّ على «العمل على عودة كافة المفصولين من قيادات حركة فتح، وضمان حقهم في المشاركة في المؤتمر السابع»، لينطلق إلى تركيا وقطر، في خطوة فُهمت فتحاوياً على أنها استعانت بالدولتين اللتين تقفان على النقيض من سياسات مصر والإمارات، الداعمة لدحلان، وكذلك في ملفات أخرى.
وبينما أنهت «فتح»، انتخابات «أقاليم ضفة» وباتت مناطقها مهيّأة لانعقاد المؤتمر السابع، لا يزال الوضع التنظيمي في غزة مضطرباً، ولم يُنجِز الانتخابات الداخلية سوى إقليمين من أصل ستة. هناك، يحاول «أبو فادي» (دحلان) بذكاء استغلال الفراغ الفتحاوي ليفرض نفسه وليستقطب الجمهور، فيما تتعامل «حماس» هي الأخرى «بذكاء» وتستغل «التيار الإصلاحي» لزيادة استفزاز عباس، وهو ما ينكره دحلان في اللقاءات التلفزيونية التي تكثفت له خلال وجوده في القاهرة.
وإذا تعقّدت مشاركة مناصرين لدحلان في المؤتمر السابع، سيعمل دحلان على «مؤتمر مضاد» ــ لم يحدد مكانه لكنه غالبا في غزة أو الخارج ــ للتشويش على عباس. وربما نجح هذا المؤتمر في حال حضور «تيار ما قبل أوسلو» في «فتح»، الذي يرى ضرورة لعودة الحركة إلى الكفاح المسلح، وغالبية هؤلاء متقاعدون وقادة سابقون في معارك الخارج، وهم لا يصطفون مع دحلان حباً فيه، لكن رغبة في التخلص من الجمود السياسي وتراجع شعبية الحركة التي سببتها برأيهم إجراءات عباس.
وفوق أن رئيس السلطة لا يستطيع الآن التحكم بخروج أنصار دحلان من غزة، فإنه يخشى تكرار منع «حماس» أنصاره هو من الوصول إلى المؤتمر السابع. وتضيف مصادر، في حديث إلى «الأخبار»، يسير دحلان صوب رئاسة «فتح» لا السلطة، ليضرب عصفورين بحجر، لأنه سيظهر في عيون الفتحاويين كرجل يحترم كلمته ويقدّم البرغوثي عليه، وهذا يُرضي شريحة فتحاوية واسعة كانت تنادي بضرورة فصل السلطة عن الحركة.





كيف انتهى «المؤتمر السادس»؟

عُقد المؤتمر السادس لحركة «فتح» للمرة الأولى داخل فلسطين في مدينة بيت لحم خلال آب 2009، وذلك بعد عشرين عاماً من المؤتمر الخامس عام 1989 في العاصمة التونسية. وفي «السادس» انتخب محمود عباس قائداً عاماً للحركة إلى جانب كونه قائداً للقوات العسكرية والأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية.
خلال المؤتمر نفسه انتخب أعضاء «اللجنة المركزية» وكل لجان «فتح»، ومن بين الذين انتُخبوا في «المركزية» محمد دحلان، قبل فصله من الحركة (2011) بعد اتهاماتٍ جنائية ومالية أطلقها عبّاس عليه. من ثمّ اشتدّ الخلاف بين الاثنين، وترك دحلان الضفة ليعمل مستشاراً لولي عهد أبو ظبي في الإمارات، مع تمتعه بعلاقة قويةٍ مع النظام المصري.