مع استمرار تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والحملة الإعلامية التي ترفع عنوان «الحق التاريخي التركي العثماني في حلب والموصل»، عاد وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو وهدّد بالقول إن «الجيش التركي كما اجتاح الشمال السوري للقضاء على داعش ووحدات الحماية الشعبية في الباب ومنبج، فإنه لن يتردد في اجتياح منطقة سنجار غرب العراق إذا شعر بأي خطر يستهدف الأمن القومي لتركيا من تلك المنطقة التي يتحرك فيها عناصر حزب العمال الكردستاني ووحدات الحماية الشعبية الكردية السورية».

حديث جاويش أوغلو الذي جاء في قناة «-٢٤» الموالية للحكومة التركية، شدد على أن «أنقرة تراقب مجمل التطورات في الموصل عن كثب»، وأنها على أهبة الاستعداد للقيام بكل ما هو مطلوب لتحقيق أهداف السياسة التركية في العراق، وفي مقدمة ذلك «محاربة داعش وحزب العمال الكردستاني وحماية حقوق التركمان هناك». وكان واضحاً أن هذه الأقوال جاءت في المقام الأول للرد على انتقادات زعيم «حزب الشعب الجمهوري»، كمال كليتشدار أوغلو، الذي هاجم الحكومة بشدة، قائلاً إنها «وضعت الجيش التركي تحت إمرة البشمركة العراقية كما سبق لها أن فعلت ذلك في الشمال السوري، حيث التحالف مع الجيش الحر والمجموعات الإرهابية الأخرى».

أنقرة: كما دخلنا الشمال السوري، لن نتردد في اجتياح غرب العراق

وكان كليتشدار أوغلو قد لفت أيضاً إلى تصريحات أردوغان التي قال فيها إنه سيتصل بـ«جبهة النصرة» لإقناعها بالخروج من حلب، معلّقاً بأن هذا الكلام «اعتراف من أردوغان بالعلاقة مع تنظيم إرهابي خطير، وسيحمّل تركيا مسؤوليات قانونية أمام المجتمع الدولي أجمع».
في غضون ذلك، تتناقض المعلومات عن دور القوات التركية قرب بعشيقة، شمال شرق الموصل، بعدما كذبت مصادر «البشمركة» مشاركة هذه القوات في أي عمليات حربية حتى الآن. لكن الإعلام الموالي لأردوغان لا يزال يتحدث عن «دور بطولي لهذه القوات في الحرب ضد داعش والعمال الكردستاني». كذلك يستمر حديث الصحف الموالية عن ضرورة فتح ملفات التاريخ والسعي من أجل ضم الشمال السوري والعراقي إلى تركيا، في إشارة إلى «خريطة الميثاق الوطني» المعلنة عام ١٩٢٠.
وسبق للرئيس التركي أن رفض اتفاقية لوزان التي اعترفت بموجبها الدول الغربية باستقلال الجمهورية التركية وسيادتها، قائلاً إنها اتفافية أرادت أن «تقطع أواصر الصِّلة بين الأمة التركية وتاريخها العثماني العريق، كما هي تخلت لليونان عن الكثير من الجزر التركية في بحر إيجة»، من دون أن يهمل الحديث عن «الحق التاريخي للدولة العثمانية في شمال سوريا والعراق»، تبريراً للوجود العسكري التركي في المنطقة الممتدة من جرابلس إلى أعزاز، على أن تكون منبج والباب أهدافاً لاحقة للجيش التركي.
ومن المفارقة النقلة الكبيرة لأردوغان في الحديث سابقاً عن «ضرورة التخلص من النظام الديكتاتوري العلوي للرئيس (السوري بشار) الأسد»، فيما يتحدث الآن عن رفضه أي مشروع عراقي أو إقليمي (إيران) «لتشييع مدينة الموصل وتجاهل حقوق السنّة»، وهو ما يعزز وفق أحزاب المعارضة التركية إمكانية توسيع أردوغان التحالفات الخطيرة مع التنظيمات المسلحة، خاصة المدعومة سعودياً وقطرياً، كذلك فإن المعارضة تقول إن دول الخليج تستغل العلاقة المالية الخطيرة لاستخدام تركيا في مخططاتها العدوانية ضد إيران، تماماً كما فعلت مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، الذي حارب إيران لمدة ثماني سنوات.
في كل الأحوال، ستتضح سياسات أردوغان الخاصة بسوريا والعراق أكثر بعد الانتخابات الأميركية، خاصة أن الفتور يخيّم على علاقات أنقرة بواشنطن بسبب موقف الأخيرة الداعم لـ«وحدات حماية الشعب» الكردية، وأيضاً قانون «جاستا» ضد السعودية التي باتت الآن حليفاً استراتيجياً لتركيا ضد سوريا والعراق، فضلاً عن استمرار الغموض الذي يخيّم على تفاصيل الاتفاق الروسي ــ التركي في ما يتعلق بسوريا.