بالتزامن مع إعلان البنك المركزي المصري تسجيل قفزة تاريخية في الدين المحلي بنسبة زيادة 23.8% في العام المالي الماضي، دون توضيح الأسباب، كان الرئيس عبد الفتاح السيسي، يجلس في «مؤتمر الشباب» في شرم الشيخ ويعلن استعداد الجيش لطرح سلع بنصف ثمنها خلال المدة المقبلة، في سبيل التخفيف عن أعباء محدودي الدخل، وذلك تزامناً مع «إجراءات الإصلاح الاقتصادي» التي من المفترض أن تؤدي إلى انخفاض قيمة الجنيه مجدداً، وتحريك أسعار الوقود والكهرباء ضمن خطة رفع الدعم الحكومي.

لم يقدم السيسي في حديثه عن الاقتصاد أي جديد أو رؤية للتغلب على العثرات التي باتت تهدد إنتاج كبريات الشركات، وهو ما ظهر بوضوح في إعلان شركة «ايسترن كامبني» الحكومية المحتكرة صناعة السجائر إمكانية توقفها بسبب صعوبة توافر العملة الصعبة لاستيراد المواد التي تستخدم في صناعة السجائر، بعدما انخفض الاحتياطي الخاص بها ليكفي التشغيل أقل من ستة شهور فقط.

حديث الرئيس المصري عن مشاريع الجيش وشفافيتها غير دقيق

في الاقتصاد، أعلن الرئيس أرقاما يرى مراقبون أنها بعيدة عن الواقع وخاصة ما يتعلق بميزانية القوات المسلحة، التي قال إن جميع صفقات السلاح الخاصة بها تجري من ميزانيتة الجيش، وإن نشاطها الاقتصادي يراوح بين 1.5 و2% من الناتج القومي، وليس 20 و25% كما تشير تقارير عدة غير رسمية، وسط غياب لمعلومات دقيقة حول نشاط الجيش في الأعمال المدنية. كما أعلن «الجنرال» الآتي من الجيش، وجود رقابة على نشاطات الأخير من «الجهاز المركزي للمحاسبات»، علما بأن ميزانية الجيش وجميع تفاصيلها سرية ولا يُسمح بالاطلاع عليها.
بالعودة إلى الأرقام التي تحدثت عن مساهمة الجيش في الأعمال المدنية، هي أيضا بعيدة عن المنطق، ليس بسبب انتشار المجمعات الاستهلاكية والأنشطة المختلفة للقوات المسلحة فحسب، بل لأن الجيش يعمل في مجالات عدة تحقق أرباحاً في ظل الاستفادة من امتيازات قانونية عدة. من هذه المجالات: محطات البنزين والأسواق التجارية ومصانع المعكرونة وعمليات استيراد السلع التي تباع عبر منافذ خاصة بأسعار مدعمة.
ظهر واضحاً في الحديث إدراك السيسي تراجع شعبيته إلى أدنى مستوياتها، فهو ظل يردد أن العهد الذي قطعه مع المصريين في «3 يوليو»، بإزاحة «جماعة الإخوان المسلمون» عن السلطة هو الاتفاق بينه وبين الشعب المصري، الذي افترض أنه وافق على تحمل الصعاب، لكنه رأى أنه تحمل دوره في السابق وجاء الوقت على الشعب لتحمل الظروف الاقتصادية الصعبة من أجل «نهضة البلاد وعدم تعثرها»، مذكراً بمصير بلاد أخرى مجاورة سقطت بعد «الربيع العربي».
استخدم «الجنرال» متلازمة الخوف لدى المصريين من «الإخوان»، التي لعب الإعلام عليها طويلاً، وخاصة مقابل الدعوة إلى «مظاهرات 11 نوفمبر»، التي يتهم إعلاميون الإخوان بالوقوف خلفها رغم أنه لا تبنيَ للتظاهرات التي لم تخرج من الواقع الافتراضي بعد. كذلك أعلن السيسي اعتزامه الانتهاء من 1350 مشروعا مع انتهاء مدته الرئاسية في 2018، وهو أول رقم رسمي يعلنه بشأن المشروعات التي تُنفذ حاليا دون أن يكون هناك مزيد من التوضيح.
ولم تغب فكرة المؤامرة عن حديث السيسي، الذي طالبه أطباء شباب بتنفيذ حكم زيادة بدل العدوى الخاصة بهم، فوعدهم بدراسة المطلب لكن مع النظر إلى «الأوضاع الحالية» ومعرفة هل يمكن الانتظار أم لا، ثم أكد لهم أننا نعيش في «استهداف ومؤامرة، وتحيط بنا حروب الجيل الرابع والخامس... وأمام كل هذه التحديات لا بد من تحقيق التوازن بين الحقوق والحريات من ناحية، وبين الحفاظ على الدولة في ظل ظروف صعبة للغاية من ناحية أخرى».
وكعادته في الارتجال، أثار الجدل عندما تحدث عن أن ثلاجته في المنزل لم يكن فيها سوى مياه مبردة فحسب لمدة عشر سنوات، وهو تصريح غير منطقي بالنظر إلى ثراء عائلته وعمله في القوات المسلحة التي توفر رواتب جيدة لضباطها، ما جعل «هاشتاغ ثلاجة السيسي» يتصدر موقع «تويتر» ويصل إلى المرتبة الثالثة عالمياً لعدة ساعات.
بخلاف عبارات الإطراء التي جاءت من المؤيدين، ممن تباروا في إبداء إعجابهم بشخصية السيسي ومساندتهم له في القرارات التي يتخذها وحرصهم على التقاط «السيلفي» برفقته في ماراثون الجري الذي افتتحه مبكراً يوم أمس، حيث كان وسط شوارع شرم الشيخ في الصباح الباكر وهو يقود دراجته والتقط صورا مع بعض السياح، فإن الرئيس المصري لم يقدم أي جديد باستثناء موافقته على عقد لقاء شهري مع الشباب من أجل الاستماع إليهم بدلاً من الانتظار حتى موعد المؤتمر المقبل في تشرين الثاني 2017.