برغم أن العرف القضائي في مصر جرى على عدم تأييد محكمة النقض أحكام أول درجة، خاصة في القضايا السياسية أو التي تشهد تحرياتها تناقضات يمكن استغلالها لمصلحة المحكمة، فإن «النقض» ــ أعلى جهة قضائية مصرية وأحكامها باتة ونهائية ولا يجوز الطعن بها أمام أي جهة قضائية أخرى ــ أيّدت أحكاماً بالسجن المؤبد على الرئيس الأسبق، محمد مرسي، ومرشد «جماعة الإخوان المسلمون»، محمد بديع، في قضايا تكفل بقاءهم وعشرات آخرين خلف القضبان حتى الوفاة.

كذلك هناك عشرات القضايا الأخرى تلاحقهم ويواجهون جراءها عقوبات تصل إلى السجن أكثر من مئة عام، خاصة مع اتساع وتنوع الاتهامات وتوقيتات الحدوث في خلال المرحلة التي أعقبت عزل مرسي من السلطة إثر «تظاهرات 30 يونيو»، واتفاق القوى السياسية مع الجيش على مرحلة انتقالية جديدة تقرر فيها إعداد دستور جديد وانتخاب برلمان ورئيس دون إقصاء لأي تيار.
لكنّ أحكام «النقض» النهائية أوقفت الحديث عن قصور التحريات والاتهامات الفضفاضة في التحريض على أحداث العنف، وأبقت للرئيس عبد الفتاح السيسي، وفقاً للدستور، الحق في العفو عنهم لاحقاً بموجب قرار جمهوري (وهو إجراء يبدو مستبعداً، على الأقل في المدة الباقية من الولاية الأولى التي تنتهي في حزيران 2018).

اقتنعت الداخلية ربما بأنه ليس بالمقدور القضاء على فكر الإخوان

هنا يبرز التساؤل: هل قضت «النقض» على آمال مرسي وبديع وعدد من قيادات الجماعة في الخروج من محبسهم إلى حين الفصل النهائي في القضايا على غرار ما حدث مع عدد من رموز نظام حسني مبارك الذين بُرئوا لاحقاً؟ وزارة الداخلية أعدت لائحة اتهامات في التحقيق تكفي لعدم خروجهم من السجن عبر القانون مدى الحياة، وهو ما يرغب فيه النظام الحالي تجنباً لأي إشكالات قانونية أمام العالم، مع تأكيد أن ما يحدث معهم ليس سوى إجراءات قانونية عادية، لجهة أنه لم يخضع أي مسؤول إخواني بارز لمحاكمات عسكرية في قضايا التحريض على العنف.
وبموجب مقترحات ونقاشات تدور في قصر الرئاسة، فإن الدولة مهتمة في الوقت الحالي بصياغة تشكيل «جماعة الإخوان المسلمين» لإعادة اندماجهم في الحياة السياسية والاجتماعية مرة أخرى من طريق مراجعات فكرية على غرار ما جرى سلفاً مع «الجهاديين» إبّان حكم مبارك، وهو ما يرتبط أيضاً بالتنسيق مع الراغبين في الخروج من السجن والحصول على عفو رئاسي من أعمال عنف تورطوا فيها بالفعل، ثم توطيد علاقتهم مع الأمن لينفذوا تعليماته في ما يتعلق بعملية إعادة بناء الجماعة وأنشطتها الخيرية والدعوية مرة أخرى، بعد تأثرها بشدة في خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
حتى الآن، لا توجد الأعداد الكافية من الإخوانيين الراغبين في إجراء المراجعات الفكرية بما يمكّن «الداخلية» و«الأمن الوطني» من تطبيق خطتهما القائمة على إقصاء القيادات القديمة والإبقاء عليها في السجون.
وبطبيعة الحال، من المفترض أن «الداخلية» باتت مقتنعة بأنه ليس بمقدروها القضاء على فكر «الإخوان» (وهو الأمر الذي ظهر أخيراً في تقارير)، بعدما كانت تتحدث عن «إبادة» للجماعة المصنفة قانوناً باعتبارها «جماعة إرهابية». لكن، من منظور السلطات، فإنّ ما يمكن فعله في الوقت الحالي مرتبط بإعادة تطويع الجماعة للعمل معها، وأن تكون أنشطتها وتحركات قياداتها الجديدة تحت مراقبة كلية، في ضوء الاستفادة من «أخطاء الماضي» التي أدت إلى «تعاطف الشارع مع الإخوان على حساب الوزارة».
الأمن المصري بدأ بإعداد تقارير أخيراً، تؤكد استعداد أعضاء في الجماعة لخوض الانتخابات النقابية فردياً، وهي خطوة ترى «الداخلية» ضرورة الاستعداد لها مبكراً، ولا سيما التعامل مع المرشحين الذي سيكون على نطاق مرحلتين: الأولى محاولة التواصل «إذا لم يكن المرشح على علاقة بأي أعمال عنف»، والثانية محاولة التهديد والمنع من الترشح مع المغايرين، لأن تكرار تجربة فوزهم بالانتخابات بصورة ديموقراطية، حتى في النقابات المهنية، هو أمر لم يعد مقبولاً لدى السلطات، وله آثاره السلبية عليها.
على صعيد آخر، جدير بالذكر أنّ محكمة النقض أيدت، أمس، حكماً نهائياً ببراءة وزير البترول إبان حكم مبارك، سامح فهمي، في قضية فساد متعلقة بتصدير الغاز لإسرائيل.