من جديد، تبنت إحدى لجان منظمة «اليونسكو»، قراراً «لطيفاً» إضافياً حول القدس والحرم القدسي الشريف، لينضم إلى عشرات القرارات الصادرة عن المنظمة الدولية، منذ عام 1968. تبنى القرار الجديد الدعوة إلى «احترام الوضع القائم في الأماكن المقدسة» في المدينة المحتلة، ليصطف إلى جانب قرار مماثل صدر قبل أيام، يدعو إسرائيل إلى وقف الإجراءات ضد «حرية العبادة ودخول المسلمين إلى المسجد الأقصى».

نعم، هلّل البعض لقرار «اليونسكو» باعتباره إنجازاً وانتصاراً على المحتل الإسرائيلي، بل جاء تهليلهم كأن إسرائيل أُزيلت من الوجود. في المقابل، صدرت عن تل أبيب مواقف شاجبة ومنددة بالقرار، وقادت حملة استنكار غير مسبوقة وصلت إلى حد التهديد بقطع علاقاتها مع المنظمة الدولية.
حملة المهللين للقرارين، وحملة إسرائيل الاستنكارية، حمّلا القرارين ما لم يحملاه. شددت تل أبيب على تأويل النصين وتضمنهما عبارات إسلامية لتوصيف الحرم دون الإشارة إلى العبارات اليهودية (جبل الهيكل)، لتستنتج أن النصين حددا أنه ليس لليهود علاقة بالحرم والقدس. وعلى هذا التأويل، سيقت حملة الاستنكار الإسرائيلية، وبالتبعية سيقت حملة التهليل العربية، بما يوحي من باب التحريف، أن القرارين نصّا على أنه «لا علاقة لليهود بالحرم، وأن الحرم إسلامي فحسب».
المفارقة، أن المهللين للقرارين، للأسف، انساقوا وراء الرواية الإسرائيلية التأويلية. ليس للحصر، جاءت عناوين التقارير العربية على النحو الآتي: «اليونسكو تصفع إسرائيل مجدداً: القدس محتلة والأقصى للمسلمين»، و«اليونسكو تصادق: لا ليهودية القدس»، و«اليونسكو تتبنى قراراً نهائياً بأن القدس الشرقية تراث إسلامي خالص»، و«اليونسكو تقرر عدم شرعية الاحتلال في القدس»، و«اليونسكو تعترف بمدينة القدس تراثاً إسلامياً خالصاً... وصولاً إلى «اليونسكو: لا علاقة أو رابط تاريخي أو ديني أو ثقافي لليهودية بمدينة القدس»، وغيرها العشرات.
مع ذلك، القراران «لطيفان»، ومن شأنهما الانضمام إلى عشرات القرارات الصادرة عن المنظمة نفسها التي تدعو إلى حفظ التراث الفلسطيني و«الوضع القائم» في المدينة المحتلة. لكن، هل يستأهل التهليل، وهل يستأهل الاستنكار الإسرائيلي؟ تحديد ذلك يوجب البحث في النتائج والأثر العملي للقرارين على السياسة الإسرائيلية المتبعة تجاه الحرم والقدس، وإلا فإنهما يبقيان ضمن «الإنجاز» المعنوي، لا أكثر.
أولاً: القراران غير ملزمين، ولن يدفعا إسرائيل إلى التراجع وإنهاء أطماعها في القدس، وهما قراران معنويان لا يتجاوزان ذلك، سواء قيل فيهما ما قاله قيس عن ليلى أو زد عليه. كان لإسرائيل مصلحة في رواية الشجب وتضخيم ما ورد فيه وتأويله، وكان للسلطة الفلسطينية وتوابعها مصلحة في رواية الإنجاز. ولا يُستبعد أن تكون عملية التهليل من ناحية الإعلام العربي «المعتدل» بمعظمه والسلطة وكل من انجرّ خلفهما، في سياق التعمية عن إخفاقات الخيار السياسي التسووي القائم على الرهان على العطف الدولي. هذه الجهات، ومن دون إغفال «الإنجاز المعنوي»، عملت على تظهير «القرارين» وتعظيمهما كأنهما قراران من شأنهما تحرير فلسطين، أو حرّراها بالفعل.

عبارات القرار الثاني صاغها العرب بما يلائم إسرائيل

ثانياً: اللافت في عملية التصويت على القرارين العدد الكبير للدول التي اعتمدت الامتناع عن التصويت. في القرار الأول، المقدم من المندوب الفلسطيني، صوت للقرار 24 دولة من أصل 58، مقابل معارضة ست دول، فيما امتنعت 26 دولة عن التصويت، وغاب ممثلو دولتين. كذلك لم تدعم أي دولة أوروبية القرار الفلسطيني في عملية التصويت على القرار الثاني (لجنة التراث)، والدعوة إلى «احترام الوضع القائم في الأماكن المقدسة»، فقد صوت للقرار عشر دول، فيما عارضته اثنتان فقط، وامتنع عن التصويت ثماني دول.
دراسة الأرقام، وتحديداً العدد الكبير جداً من الممتنعين عن التصويت والرافضين، الذي يفوق عدد المؤيدين، يظهر أن الأغلبية، عملياً، لا تتبنى أو تمتنع عن تبني القرارين الداعيين إلى المحافظة على «الوضع القائم» المستند إلى القرارات الدولية والاتفاقات ذات الصلة، كما ورد في القرارين، وذلك رغم أن عملية التصويت التقنية تتيح القول إن «اليونسكو» أيدت القرارين وتبنتهما.
ثالثاً: من ناحية إسرائيل وشجبها واستنكارها، فإنها تأتي نتيجة طبيعية، لا لنص القرارين وما ورد فيهما من عبارات، بل نتيجة عاملين اثنين: أنها اعتادت أن العالم والمؤسسات الدولية يصيغ قراراته ومواقفه وفق الإيقاع الإسرائيلي، الأمر الذي لم يراع بالكامل هنا... هذا أولاً، وثانياً أن إسرائيل، خدمة لمصالحها اللاحقة، تريد أن تؤسس لمنع حصول سابقة تتجاهل حتى الكلمة والمصطلحات وفقاً لمصالحها بشأن «الحرم والقدس وفلسطين المحتلة».
هل نجحت إسرائيل في ذلك؟ نعم، وإن جاءت عبارات واردة في القرارين بما لا يتوافق مع إرادتها بالكامل، فقد كانت إحدى أهم نتائج حملة الرفض للقرار الأول، أن عبارات القرار الثاني التي صاغها العرب، للأسف، أكثر استجابة للإرادة الإسرائيلية، وورد فيها عبارة «حائظ المبكى» بلا هلالين. علماً بأن انتصار إسرائيل واستنكارها مرتبطان بصوغ العبارات والمصطلحات و«الهلالين»، أكثر من كونهما مرتبطين بفحوى النصين ومضمونهما.
رابعاً: جدلاً، مع التسليم بـ«الإنجاز» الذي حمل معنى الانتصار على إسرائيل وهزيمتها، فإنه لن يمكّن الفلسطينيين من استرجاع حقوقهم المهدورة، وبرضا التسوية والخيار التسووي. هل بإمكان الفلسطينيين حمل قرار «اليونسكو» لمنع قطعان المستوطنين من دخول الحرم؟ هل بإمكان الفلسطينيين حمل القرار لتجاوز حواجز الاحتلال للصلاة في الحرم؟ هل سيمنع القرار عمليات الحفر التي تهدد أسس المسجد وما يوجد في باحته؟ هل سيعيد القرار باب المغاربة إلى سلطة الأوقاف؟ وهل وهل.
نعم، ما جرت المحافظة عليه من حقوق، وإن منقوصة، يعود فقط إلى خيار الانتفاضة والمقاومة، في مقابل هدر الحقوق لخيار التسوية. الاندفاعة الإسرائيلية السافرة نحو تهويد الأقصى جاءت للمفارقة بعد خيار التسوية، لا قبلها، أي إن ما يمنع الاحتلال ويكبح جماحه من قضم مزيد من الحقوق الفلسطينية في الأقصى، هو الخشية من التسبب في استنهاض الخيار المقاوم، وإلا ما كانت التسوية لتمنع.
القراران الصادران عن «اليونسكو» إنجازان. لكنهما لا يعنيان ولا يمكنهما أن يعنيا انكساراً إسرائيلياً وهزيمة نكراء. لو عمد المنساقون إلى رواية الانتصار الساحق والماحق على إسرائيل إلى إفهام الفلسطينين حقيقة «الإنجاز» وحدوده وقدرة تأثيره المعنوية أساساً، لكان أفضل وأكثر جدوى، بدلاً من التلهي وإلهاء الفلسطينيين بإنجازات شبه صورية.