يعيش رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، بين نارين: إما التصالح مع القيادي الفتحاوي المفصول محمد دحلان، وإما المصالحة مع «حركة المقاومة الإسلامية ـــ حماس». يفضل «أبو مازن» التقرب من الأخيرة، فذلك أخف الضررين. واذا نجح في تذليل العقبات التي تقف بين «فتح» و «حماس» ــ الأمر مستبعد وفق حمساويين ــ فسيظهر كرجل وطني أنهى الانقسام.

أول من أمس، التقى عباس في العاصمة القطرية الدوحة رئيس المكتب السياسي لـ«حماس»، خالد مشعل، ونائبه إسماعيل هنية. اللقاء جرى بطلب من «أبو مازن»، في مقر وزير الخارجية القطرية، علما بأنه خلال زيارة عباس السابقة إلى الدوحة، طلب «أبو الوليد» (مشعل) لقاءه، لكن رئيس السلطة رفض آنذاك تلك المقابلة.
هذه المرة، وكي لا يتكرر ما حدث وحفاظاً على ماء الوجه، لم تطلب «حماس» من الخارجية القطرية ترتيب لقاء لها مع عباس، لكن الحمساويين الموجودين هناك، كانوا مقتنعين بأنه سيطلب بنفسه لقاءهم، للاستفسار منهم مباشرة عما يحكى عن تقاربهم مع دحلان وتطور العلاقة بينهما، وخصوصاً بعد التسهيلات التي قدمتها الحركة إلى «أبو فادي» وزوجته جليلة دحلان في قطاع غزة.
لم يكن اللقاء سيئاً، واستمر قرابة ثلاث ساعات، كان «أبو مازن» فيها، وفق مصادر تابعت اللقاء «دمثاً ومحترماً، ولم يكن عدائياً». شكا الرجل ما يعتمل قلبه. تحدث عن الضغوط العربية التي يتعرض لها لمصالحة دحلان. عبّر عن انزعاجه من «حماس» بسبب إخراجها رجال «أبو فادي» من سجونها، وتسهيلها تحركات زوجته في غزة، الأمر الذي يزيد الضغوط عليه.
قال عباس للموجودين، «إذا كانت بعض الدول العربية تحب دحلان إلى هذه الدرجة، وتضغط عليّ لإعادته، فلتأخذه ولتعينه عندها»، ثم سأل «أبو مازن»، هنية، عن حقيقة تسهيل «حماس» تحركات أنصار وزوجة «أبو فادي»، مبدياً امتعاضه من ذلك. فقال هنية: «لن نتدخل في أزمتكم الداخلية، ولن نسعى إلى تقوية طرف على آخر، لكننا مع أي جهد من أي طرف جاء لتحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي لسكان القطاع».
«انفتاح» عباس على مشعل وهنية، وحديثه باستفاضة عن مشكلاته مع «أبو فادي»، أثارا استغراب الحاضرين، وخاصة أن الأول بدا لهم، وفق المصادر نفسها، «مسالماً جداً، ولم نكن نتوقع أن يكون الاجتماع بهذه الإيجابية... تبين أن مشكلته مع دحلان أعمق مما كنا نتوقع». خلال الاجتماع، قال عباس أيضا إنه مستعد لاتخاذ خطوات للتصالح مع «حماس». لكنهم قدروا أنه من المتوقع ألا تكون هذه الخطوات كبيرة أو مهمة، وأضافوا: «عباس يريد بذلك تخفيف ضغط الرباعية العربية (الأردن ومصر والسعودية والإمارات) عنه، باتخاذه بعض الخطوات تجاه الحركة وغزة».
لكنّ مصادر في رام الله نقلت إلى «الأخبار»، أن زيارة عباس إلى تركيا وقطر كانت للطلب منهما إقناع السعودية (بسبب تحالف هذه الدول في ملفات إقليمية أخرى) بضرورة تخفيف الضغط عنه، وخصوصاً بعدما أوقفت «مملكة الخير» مساعدتها المالية للسلطة الفلسطينية (120 مليون دولار عن ستة أشهر). ووفق تلك المصادر، فإن عباس سبق أن اتصل بالملك سلمان بعدما وصلت إلى مسامعه نية المملكة إيقاف تحويلها للمال، و«طلب من سلمان، تخفيف ضغط الرباعية العربية عنه"، شارحاً موقفه "من إعادة دحلان»، مضيفة: «وعده الملك بكل خير، لكنه فوجئ بإيقاف المساعدات».

أعدّ الجيش الإسرائيلي طاقما خاصا لمواكبة اليوم الذي يلي عباس

بعد هذا التصعيد العربي ضد عباس، وشعوره بسعي هذه الدول إلى عزله كما جرى في المدة الأخيرة من حياة الرئيس الراحل ياسر عرفات، من المتوقع إقدامه على «بعض الخطوات الإيجابية في المرحلة المقبلة، لكن من المستبعد أن تكون جريئة وجدية وتنهي الانقسام»، تقول المصادر الحمساوية.
أيضا، طرح عباس في اللقاء إمكانية تأليف حكومة وحدة وطنية لإدارة الشؤون في غزة والضفة معاً، وإجراء انتخابات تشريعية وبلدية، إضافة إلى إيجاد حلّ لمشكلة الموظفين في القطاع، وإعادة تفعيل دور «منظمة التحرير الفلسطينية»، على أن تنضم إليها «حماس» و«الجهاد الإسلامي». بعد ذلك، ناقش المجتمعون آلية تنفيذ المصالحة، ربطاً بالاتفاقات الموقعة سابقاً، كاتفاق الشاطئ والدوحة والقاهرة ومكة، وقرروا أن تستلم الدوحة وضع آلية لمتابعة تطبيق المصالحة بين الطرفين، وبذلك «نكون قد ارتحنا من عزام الأحمد (الذي كان موكلاً بتطبيق الاتفاقات)، ومن ازدواجيته»، طبقا لتعبير بعض الحمساويّين.
برغم ذلك، يستبعد المتابعون للقاء أن يقر عباس قريبا إجراء انتخابات تشريعية أو بلدية في رام الله وغزة، فهو «لا يضمن فوزه فيها، وإذا خسر يكون قد أنهى حياته السياسية». تضيف المصادر نفسها أن عباس يواجه عقبات عدة: أولاً عدم استعداده لمصالحة دحلان الذي قد يؤلف لوائح تنافس «أبو مازن» في مناطق نفوذه وقد يربح بعضها، وثانياً إذا قرر مصالحة دحلان فهو بذلك ينتحر سياسياً.
في هذا الإطار، يعيد هؤلاء التذكير بالمرحلة الأخيرة من حياة «أبو عمار»، عندما اتفق دحلان مع «أبو مازن» على تشكيل «نهج إصلاحي» داخل «فتح» لمواجهة نفوذ عرفات، الذي أُجبر بسبب الضغوط العربية على مصالحة عباس وتعيينه وزيراً للمالية ورئيس حكومة لاحقاً. ويقدّرون حالياً أن «أبو مازن» يعيش تلك التجربة نفسها، لكنه تعلم من «أبو عمار»، ولا ينوي مصالحة دحلان.
أما إسرائيل، فلا يخفى أنها تراقب كل هذه الأمور، بل بدأت رسميا الاستعداد لليوم الذي يلي رحيل رئيس السلطة. وكشفت صحيفة «هآرتس»، يوم أمس، عن أن جيش العدو يعد لمرحلة ما بعد انهيار حكم عباس، الذي يمر بعملية انهيار بطيئة لحكمه في رام الله. الصحيفة ذكرت أن هذه التطورات دفعت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية إلى الاهتمام بمرحلة ما بعد عباس، لافتة إلى أن طاقما خاصا من الجيش يعمل منذ بضعة أشهر على الاستعداد لمواجهة سيناريوهات مختلفة، مع تأكيد أن «إسرائيل لن تتدخل بفعالية في عملية انتقال السلطة»، لكنها تستعد لصراع فلسطيني ــ فلسطيني عنيف على وراثة عباس، لأنه «بات من الواضح أن رئيس السلطة... بدأ العدّ التنازلي لانتهاء حكمه».
ووفقا لـ «هآرتس»، يظن مقربون من عباس أن دحلان يعمل على تثبيت نفسه كمرشح سري لـ«الرباعية العربية»، مضيفة أن «ممثلين عن النظام المصري يتعاملون مع هذه المسألة علنا في سياق لقاءاتهم مع نظرائهم الإسرائيليين».