يبدو أن العقل الفلسطيني قبِل واقع إسقاط القيادات عليه بـ«الباراشوت»، فهو بعيداً عن فكرة الديموقراطية والترشح النزيه المنعدمة أصلاً لدى شعوب مستقرة في ظروفها أكثر منه، بات لا يسأل عن قادته كيف صعدوا ووصلوا، بل سلّم الأمر، ليس إلى حكم العشيرة الأقوى ــ مثلاً ــ أو تحالفات المال والسطوة فحسب، بل إلى... إسرائيل. الأخيرة، ومعها المنظومة الدولية والإقليمية ــ العربية الحليفة والصديقة لها، هي التي تفصّل وتختار، وعلى نخبنا أن تكتب السيناريوهات، وعواجيزنا أن يدعوا دوماً بأن يولّي الله الصالحين.

كثيرون من الذين قرروا في عمر الشباب الانخراط في المشهد المشتعل (السبعينيات أو الثمانينيات)، تعاملوا لاحقاً مع القضية الفلسطينية كجمعية خيرية، فإن أصابوا، فهم الأبطال والرموز ويستحقون التقدير والريادة، وإن أخطأوا، فالاحتلال والعالم كلّه شمّاعات لتعليق الأخطاء. لعلّ هذا هو السبب الأساسي الذي فتح المجال لأصحاب الحظوظ السيئة أن يتسلقوا، بلا خوف، إلى مناصب مهمّة وحسّاسة في تاريخ النضال الفلسطيني، وإلى سلطة الحكم الذاتي المنقوص. أما من بقي من المخلصين ــ الناجحين، ممن لم يُقتلوا أو يُؤسروا، فهم «يعتزلون» العمل الوطني ويجلسون في بيوتهم كأنّ شيئاً لم يكن. وهم كثرة وافرة، يمكنكم الاستماع والاستمتاع بقصصهم عن الثورة التي أكلها المتخمون ولم يشبعوا بعد.

لا نزال ــ شعباً وقيادة ــ نستسلم لمسلّمات غبية كالمناطقية

ثمة مشكلة أخرى لا نودّ الاعتراف بها، هي أن قياداتنا ــ حتى في ذروة العمل الوطني ــ يبحث جزء كبير منهم عن المنصب والمال، ويغريهم ما يغري أي إنسان، ويرهبهم ما يرهبه، بل قبلوا في مراحل عدة أن يستغلوا السلاح/الموقف الفلسطيني للتأجير عربياً. وبما أنهم منّا وليسوا من عائلات الهند أو باكستان، لا نزال نستسلم معهم لمسلّمات غبية، كالمناطقيّة مثلاً، التي لم تخل حركة وطنية أو إسلامية من مأساتها (المقابلة للأزمة الطائفية في دول جارة)؛ أكبر مشكلة لم ينتبه إليها ممن يتخيلون سيناريو وصول محمد دحلان إلى رئاسة السلطة، أنه كيف سيقبل الضفاويون رئيساً من غزة ضمن هذه الحسابات المعروفة لدى شعبنا جيداً؟ كذلك الأمر بالنسبة إلى إسماعيل هنية وموسى أبو مرزوق في مستقبل رئاسة المكتب السياسي لـ«حماس»، وإن كان ذلك بصيغة ألطف قليلاً داخل الحركة المؤسساتية أكثر من السلطة.
هذه العوامل (نزوات المال والتحكّم والمناطقية) تدركها إسرائيل جيداً، وهي تعرف تفاصيلها المملة في ظل الاحتكاك القوي بنا، بصفتها قوة احتلال وإدارة سجون و...، كذلك فإنها تضع رهاناً كبيراً على اللعب على تناقضاتها لإحباط أي أمل بصناعة إنجاز فلسطيني، أو حتى شبه إنجاز. المصيبة الكبرى أن شخصاً مثل دحلان يبشّرنا قبل عودته ــ بغض النظر عن أي دور سيكون له: رئيساً للسلطة، أو رئيس وزراء، أو رئيساً لـ«فتح» ــ بأنه سيسلّم رقابنا لدولة عربية ثانية، قد تكون مصر، ولكنه يطمئننا إلى أن ذلك عاديّ، وسبق للجزائر ــ وفق أمثلته ــ أن تسلّمت الوساطة لحل مشكلات «منظمة التحرير»؛ فما المشكلة في أن ترأف بنا «أم الدنيا» وتحل كل مشكلاتنا الداخلية ومع الاحتلال (المترابطة بتعقيد)، على مقاس ما تريده إسرائيل؟
حتى لا تظهر المشكلة كأنّها محصورة في دحلان، الذي هو مثله مثل غيره لديه في النهاية قدرات محدودة في تحقيق «إنجازات» معينة (بالمال الإماراتي وبالقوة المصرية في حالته)، توجد مشكلة كبرى في المنظومة الفلسطينية: الرسمية والفصائلية والعشائرية والشعبية؛ فلو أتى مروان البرغوثي أو ناصر القدوة أو جبريل الرجوب... أو حتى خالد مشعل، رئيساً على السلطة، فهل سيكون لدى أي منهم أجوبة حقيقية عن الغد؟ إلا إذا كان لدى أحدهم نيّة بإسقاط أوسلو وإعلان الانتفاضة ــ الثورة من جديد، وهذا ما تحرص إسرائيل أشدّ الحرص على تجنبه!
في السيناريوهات المطروحة جميعاً للمرحلة القريبة المقبلة، ثمة اتجاه يرى أن ما يفعله دحلان بالتنسيق مع «حماس» هو استعراض قدرات للأول ولحظة توافق مصلحية للثانية، وسوف ينتهي الاثنان من هذا التبادل قريباً، ثم يفترق كل منهما نحو طريقين. الأول، بوصفه «فاشلاً» في مهماته السابقة، وفق التعريف الأميركي والإسرائيلي، لن يصل غالباً إلى رئاسة «فتح» أو السلطة، بل سيكون محمود عباس، الذي مات ألف مرة قبل أن يموت، قد حضّر لما بعد رحيله جيداً، ناهيكم عمّا ستعدّه إسرائيل لذلك، وهي التي صرّحت علناً ومؤخراً بأنها شكّلت لجنة خاصة في الجيش لمتابعة وضع الضفة في اليوم التالي لرحيل رئيس السلطة، مشيرة إلى احتمال كبير لوقوع اشتباك فلسطيني ــ فلسطيني ستتدخل في نهايته.
أما المسار الثاني، فيشمل قطعاً إسرائيلياً للطريق على «حماس»، أو غيرها، في إلغاء اتفاق أوسلو، الذي وفر للعدو على مدار عشرة أعوام مضت احتلالاً أقل كلفة. كذلك لن تسعد إسرائيل بتفكّك السلطة الضعيفة إلى روابط قرى (كما يتوقع كثيرون في «حماس»)، خاصة أن إسقاط «أوسلو» وملحقاتها هو البند الأول الذي ترفعه «الجهاد الإسلامي» في مبادرتها الحالية، وبالتأكيد لن يكون هذا البند بعيداً عن جدول أعمال «حماس»، التي ستحتفظ بغزة بعيداً عن «صراع» الضفة.
في رام الله، تسير الحياة بهدوء وبيومياتها العادية، لكن يبدو أن الرئيس الأقوى فيها هو الاحتلال، الذي علّمتنا تجربة السنوات العشرين الماضية أنه يصل في السياسة إلى مراده مهما أوجعناه في الميدان، ولا مشكلة لديه في الطريقة، ما دامت رئاسة السلطة لن تكون قيادة ثورة أو دولة، بل محض «وظيفة».