قبل أشهر من «معركة الموصل»، بدا واضحاً أن الميدان العراقي سيشكّل وجهة إقليمية ــ دولية. وفي الوقت الراهن، باتت معارك نينوى سياسية ــ عسكرية، تأخذ في ظاهرها استكمال بغداد لحربها على الإرهاب، فيما تشي كواليسها بمحاولة الولايات المتحدة وتركيا إمرار أكثر من مشروع سياسي. فبعد دخول «الحشد الشعبي» مباشرةً على خطّ النار، برزت عقد عديدة، تفهرسها مصادر عراقية مطلعة في أربع نقاط: أولاً، الضغط الأميركي الرافض مشاركة «الحشد» في المعركة، على أيّ جبهة كانت؛ ثانياً، الابتزاز التركي المتواصل، ورغبته في المشاركة؛ ثالثاً، محاولة إنشاء «صحوات» جديدة على أيدي مريدي «الأقلمة» المدعومين أميركياً؛ رابعاً، فصل الجبهة الغربية العراقية عن الجبهة الشرقية السورية.
برزت عدة عقد بعد دخول «الحشد الشعبي» مباشرةً على خطّ النار

تكمن العقدة الأولى في رفض واشنطن لمشاركة «الحشد»، وهو أمرٌ عرّض رئيس الحكومة العراقية، حيدر العبادي، لابتزاز كبير من «التحالف الدولي» الذي كان قد أعلن «التوقف لمدة يومين عن شنّ الهجمات» بهدف «ترسيخ النجاحات المحققة»، فور إعلان «الحشد» بدء عملياته. الأمر الذي دفع العبادي، أول من أمس، إلى نفي «الأنباء المتداولة بشأن إيقاف عمليات تحرير الموصل»، وتأكيده «استمرارها حتى تحرير محافظة نينوى بالكامل». لكن وفق المصادر، لا يزال العبادي «أسير الرغبة الأميركية... علماً أنه حاول في أوقات سابقة إبعاد الحشد عن المعارك، عبر الضغط المادي على المتطوعين في صفوفه، بخفض مستحقاتهم المالية لتصل حد نصف مرتب شهري للشرطي العراقي، إضافة إلى حجب إصداراتهم النثرية ومنعهم من توزيعها». وهي أمور تدركها قيادة «الحشد»، ولذلك أصرّت على استعجال البدء بالعمليات ومتابعتها.
أما العقدة الثانية، فهي المسعى التركي للدخول على خطّ النار «الموصلي»، بهدف «حماية التركمان» الذين ترى فيهم أنقرة «أقليّة تركية ــ عراقية، ومن واجبها الدفاع عنهم». وهو أمر ظهر جليّاً في خطاب الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في كلمته الأخيرة، عبر تحذيره «الحشد» من مغبّة «ترهيب المدنيين التركمان خلال هجومهم على مدينة تلعفر»، لأن ردّ أنقرة سيكون مختلفاً. وقد تعكس صافرات الإنذار التركية من دخول «الحشد» إلى تلعفر، نية أنقرة بتكرار سيناريو مشابه لـ«درع الفرات» السورية، في العراق، وذلك عبر التقدّم من بعشيقة والتوسّع غرباً باتجاه تلعفر (بالتنسيق مع واشنطن، وبغداد). ويهدف ذلك إلى خلق «منطقة آمنة» برعاية تركية، تحت عنوان حماية «الأقلية التركمانية». لكن، يتساءل المصدر: «لماذا لم تُشمّر أنقرة عن يديها حين دخلت داعش إلى هناك؟»، قبل أن يجيب بنفسه، حاسماً، بأن «المصلحة التركية لم تكن قد حانت بعد، خصوصاً أن داعش كان جزءاً من الأجندة التركية في العراق، أما الآن فالمعطى الميداني تغيّر».
وتتمثل العقدة الثالثة، بالـ«مشاريع» التي سوّقها «دُعاة الأقلمة» إلى بغداد «من تحت الطاولة»، والتي تهدف إلى «استيعاب من لم ينخرط في الدم العراقي من مسلحي داعش، واستتابتهم، وجعلهم ضمن تشكيل جديد، بمسمى درع نينوى» (هدف هذا الدرع، كما يُقال، حماية حدود المحافظة الغربية من عودة مسلحي داعش إليها). وهو أمرٌ يرفضه «الحشد» جملةً وتفصيلاً، ما دعاه إلى التشبّث بقرار المضي في معارك الموصل، والتوجّه لاحقاً إلى سوريا. وتؤكّد المصادر أن هذه الدعوات لا تزال موجودة داخل «الأروقة الضيّقة»، لكن ما إن تخرج «ستجد الردّ المناسب». وتشير إلى أن هذه «الطروحات هي أميركية المنشأ، ومعروف من يقف خلفها».
أما العقدة الرابعة المتعلقة بفصل الجبهتين العراقية والسورية، فهي مرتبطة بما سبق ذكره. إذ فيما يتمسّك «الحشد» بمهمته، يسعى الأميركيون إلى خلق «صحوات» من شأنها إبقاء الجبهتين مفتوحتين، وعدم القضاء نهائياً على «داعش» في العراق، «ليظهر عند الطلب بغطاء دولي ــ إقليمي». الأمر الذي يُبقي على المعركة ضمن المدينة في مقابل استنزاف «الحشد» في الصحراء الغربية، وهذا ما يدركه الأخير، وبالتالي يريد القضاء نهائياً على «داعش» في الغرب العراقي، واللحاق به إلى سوريا.