شريف إسماعيل هو كبش الفداء. رُسمت الخطّة في القصر الرئاسي المصري عقب مؤتمر الشباب الأخير في شرم الشيخ. السيول التي ضربت جنوب البلاد، أغرقت حتى النتائج الباهتة لمؤتمر الرئاسة، غير المحظوظ. الرئاسة وقّعت ضمنيّاً، إقالة حكومة المهندس شريف إسماعيل. الحكومة الضعيفة، ستبقى ورقة بيد الرئيس المصري الذي أمر بأن يدعمه الإعلام في الفترة الصعبة المقبلة. البلد مُقبل على دراما سوداء في الشهرين المقبلين. البرلمان سيكون هو الآخر، قناة لتصريف غضب الرأي العام، وهو الذي سيسحب الثقة من الحكومة، في التوقيت المناسب.

أزمة السيول الأخيرة، أغرقت إسماعيل. المواطنون في مدينة رأس غارب، منعوا رئيس وزراء مصر، من دخول دورة المياه، وكادوا يضربونه بالأيدي، فاضطر، إلى الفرار بموكبه، إلى أقرب دورة مياه في بنزينة إحدى الشركات البترولية، في المدينة التابعة لمحافظة البحر الأحمر الساحلية. حدث هذا قبل يومين.
بروفة سحب الثقة جُرّبت أمس. كان البرلمان، يحاصر إسماعيل، والرجل اشترى منهم بعض الوقت. وعد النواب الذين كانوا يؤدّون دور الغاضبين من أداء الحكومة، بدعم الصناعة بمبلغ ستة مليارات جنيه، على أن تدرس حكومته تطبيق الضريبة التصاعدية، وأن يتخذ البنك المركزي عدداً من الإجراءات التي تخصّ سعر الصرف لتحديد قيمة عادلة للجنيه، وزيادة برامج الإصلاح الاجتماعي مثل برامج الإسكان الاجتماعي، وإرسال مشروعي قانوني الإفلاس والاستثمار إلى البرلمان، نهاية الشهر الجاري، والتدخل العاجل لحلّ مشكلة 1000 مصنع متوقف عن العمل، وإعادة مصر إلى الخارطة السياحيّة العالمية، ومواجهة إرتفاع الأسعار، ونقص مخزون السلع، بالتعاون مع البنك المركزي. رئيس الوزراء، المُرتبك، وعد بعدم تكرار أداء الحكومة في أزمة السيول الأخيرة التي ضربت البحر الأحمر ومدنا ساحلية. قال إن الدولة ستبني 160 سداً فى البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء.
تعويم الجنيه، سيُغرق الناس، التي تصورت أن «سفينة السيسي» تسع الجميع، فيما الدولار يرقص من الفرح. الخطوة ستُخرج الغضب الشعبي من كذبة الاستقرار. تحرير أسعار الطاقة، ونوبة جنون جديدة في الأسعار سيأكلان مخزون «الصبر الاستراتيجي» عند المصريين. كلما دخلت سلعة في فخّ المحتكرين (السكر، الأرز والأدوية)، انفتحت شهيّة رجال الأعمال (متورطين مع مسؤولين حكوميين) للجولة التالية: سيحبسون سلعاً جديدة في مغارة علي بابا السرّية.
وعندما تغلق المغارة تماماً، وتتلبد الغيوم ببدء تنفيذ شروط قرض صندوق النقد الدولي، تُطيح الرئاسة، في قرار جريء وتاريخي ومُنحاز إلى «الشعب المصري العظيم»، الحكومة. في هذه النقطة، يجري الحديث في الأروقة الرئاسية، والجهات الرسميّة المعنيّة، عن أربع شخصيات لتحل محل اسماعيل: الأول هو الفريق مهاب مميش، رئيس هيئة قناة السويس، وقد رُشح لهذا المنصب قبل أكثر من عام، وهو من الشخصيات المُقربة للرئيس السيسي، وإبن المؤسسة العسكرية، أما الشخصية الثانية، فهو المهندس إبراهيم محلب، رئيس الوزراء السابق، الذي يشغل حالياً منصب، مستشار الرئيس للمشروعات القوميّة، والمسؤول الأول عن لجنة استرداد أراض الدّولة.
المُرشح الثالث لهذا المنصب (وتخشى الرئاسة من ردّ فعل الشارع على طرح اسمه) هو الدكتور محمود محيي الدين، النائب الأول لرئيس البنك الدولي. فبرغم أن الرئاسة، راغبة في تقديم اسمه على الباقين، هي قلقة من سيرته الذاتية: الرجل كان وزيراً للاستثمار في زمن حسني مبارك، وكان من الشخصيات المقربة لجمال، نجل الرئيس المخلوع. يبقى الدكتور أحمد درويش، رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، هو الشخصية الأخيرة التي تدرسها مؤسسة الرئاسة، لكنه أيضاً محسوب على نظام حسني مبارك، إذ كان يشغل منصب وزير التنمية الإدارية في حكومة المهندس أحمد نظيف، في الفترة من 2004 إلى وقت إندلاع ثورة «25 يناير» قبل أكثر من خمس سنوات.
«اقتصاد حرب». كلمة السرّ الثانية التي وافقت عليها الرئاسة، وسيجري ترويجها وتغليفها، وتقديمها للرأي العام في مصر في الأيام المقبلة، قبيل الإعلان عن قرار الحكومة بتعويم الجنيه، وموافقة صندوق النقد الدولي على قرض الـ12 مليار دولار. في هذا الجانب، كُلف ائتلاف «دعم مصر» المحسوب على السيسي، تبني الفكرة، والضغط على الحكومة، لإعلان قرارات تقشف صعبة، والبدء بقرارات اقتصادية قاسية، منها منع استيراد السلع الرفاهية، وتقليل موازنة الهيئات والمصالح الحكومية، للخروج من الأزمة الاقتصادية.
الأرجح، أن جذور المشكلة الاجتماعية أعمق من تدبير الرئاسة. الأزمة تكمن في هروب عقل السلطة. فقد فشلت الحكومات المصرية المتعاقبة، في حل أزمات اقتصادية واجتماعية كبيرة، في العامين السابقين، وأهدرت ما لا يقل عن 45 مليار دولار (مساعدات نقدية خليجية وأجنبيّة)، على مشاريع كرتونية، مثل مشروع العاصمة الجديدة، ومشروع حفر قناة السويس، ولم توجه هذا الرقم الضخم، لدعم الفقراء، بل رفعت عنهم الدعم جزئياً، ولم تطبق ضريبة القيمة المضافة على رجال الأعمال، ولم تقترب من شبكة الفساد العريقة، التي تقرأ هذه السطور، وتضحك!