على وقع استمرار تنفيذ العمليات في فلسطين المحتلة، وبعد دخولها عامها الثاني، بات بالإمكان الجزم بأن الانتفاضة الجارية تؤسس لخيار بديل ناجع يمكن الاستناد إليه لإشغال الاحتلال وإنهاكه. وإذا توافرت لها الشروط، يمكن أن تتطور لتمثّل ضغطاً كبيراً على الواقع الإسرائيلي وتحقق ما عجز عنه خيار التسوية على مستوى التحرير.... ولو وفق العناوين المرحلية.

ما يضفي على الانتفاضة مزيداً من الخصوصية في هذه المرحلة التاريخية التي تمر بها المنطقة وقضية فلسطين، أنها تجسد مرحلة متقدمة من تطور أدوات النضال ضد الاحتلال، في ظل طوق عربي من شرق الضفة المحتلة، وتنسيق أمني بين أجهزة السلطة وأجهزة العدو الأمنية والعسكرية.
تكمن خطورة الطوق العربي عبر الحدود الأردنية في أنه يحول دون إمداد الشعب الفلسطيني بالمقومات والأدوات التي تسمح له بالدفاع عن نفسه، وبالعمل على تحرير الضفة التي باتت ساحة النزال والتحدي، في ضوء فشل الرهان على خيار التسوية في تحقيق حتى الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية.

كشفت الانتفاضة عن مخزون مقاومة لا ينضب لدى الفلسطينيين

ما يميز الانتفاضة، كخيار بديل، أنها تجل للإبداع والنضال الشعبي الذي بدا كأنه اخترق جدراناَ كان يظن الاحتلال لوهلة أنها عصية، والدلالة الأخرى أنها مثّلت ترجمة لحقيقة مقولة إن مخزون المقاومة الكامن في الشعب الفلسطيني، لا يفنى ولا ينضب، لذلك كانت المقاومة تتطور وفق الظروف طوال العقود السابقة، لكن هذه الإرادة تحتاج – في هذه المرحلة تحديدا - إلى من يمدها بأسباب القوة، ولو بصيغة الحد الأدنى كي تصنع المعجزات.
وما الطوق العربي إلا للحؤول دون اقتران الإرادة الصلبة، التي أظهرها الشعب الفلسطيني في أكثر من محطة ومفصل، بقدرات متناسبة، وهو ما كان سيؤدي حتما إلى تغيير جذري في معادلة القوة مع العدو الإسرائيلي. على هذه الخلفية، ليس لأحد التشكيك في جدية وفي فعالية الانتفاضة في ظل هذا المستوى من الإقدام الذي يظهره الفلسطينيون، تحت أعين أجهزة أمنية لا تفوت فرصة للنيل منها، إما بعملية استباقية لإجهاضها، وإما عبر التشكيك بفي جدواها من أجل قتل إرادة أبنائها.
أكثر ما يتجلى في مفعول الانتفاضة، الذي لم يرق حتى الآن إلى مستوى إنجاز التحرير، أنها فرضت نفسها على صانع القرار السياسي والأمني في تل أبيب، الذي سيضطر إلى أخذها بالحسبان في أي خطوة يبادر إليها. كما حفرت عميقا في الوجدان الإسرائيلي العام، ورفعت منسوب القلق من مفاعيل استمرار الاحتلال، وتحولت إلى عامل قلق للقيادة السياسية، وتحدّ للأجهزة الاستخبارية العسكرية، التي تستنفد جهودها في المناسبات الفلسطينية واليهودية على حد سواء، للإيحاء بجو من الثقة والأمن لمواطني "الدولة" في محاولة لدفعهم إلى مواصلة حياتهم بأعلى درجة ممكنة من الروتين اليومي.
في كل الأحوال، تنبع أهمية "انتفاضة القدس" من أنها تؤسس لمعادلة، اذا لم تطعن من الخلف كما يحدث الآن، ومن الممكن جدا أن تبلغ مرحلة تدفع صانع القرار السياسي والأمني إلى التفكير وفق معادلة مفادها أن كلفة استمرار الاحتلال قد تفوق كلفة الانكفاء والانسحاب.
وجه آخر لإنجاز الانتفاضة يتصل بالتطورات الإقليمية التي ترى فيها إسرائيل ظرفاً مثالياً لفرض وقائع وتحقيق طموحات وأطماع في القدس والضفة، لكن انطلاق الانتفاضة واستمرارها، بل تصاعدها، تؤسس لمعادلة يمكنها أن تساهم في كبح جموح القيادة اليمينية الإسرائيلية.
من جهة أخرى، تمثل الانتفاضة صرخة اعتراض على كل ما تشهده المنطقة، وتذكير بالبوصلة الحقيقية للصراع، ومحاولة فرض الأجندة الفلسطينية في ظل كل محاولات طمسها وحرف الاهتمامات نحو ساحات أخرى. من هنا يمكن فهم الاستياء الخليجي والسعودي على كل صيحة يوجهها فلسطيني ضد المحتل الإسرائيلي، وعلى كل طعنة ورصاصة في صدر مستوطن، لكونها تتعارض مع محاولات فرض اهتمامات أخرى غير قضية فلسطين على شعوب المنطقة.
هكذا يؤكد رجال الانتفاضة حقيقة رفض استخدام دمائهم كأداة في حروب فرضتها أولويات أميركية، ودورهم في استنهاض للواقع الفلسطيني والعربي على قاعدة أولوية مواجهة إسرائيل.
في المقابل، يحاول الإسرائيلي الالتفاف على هذا الدور الاستنهاضي عبر إشاعة جو من التفسيرات لدوافع الفلسطينيين في ما ينفذونه من عمليات، تحاول حرفها عن كونها فعلاً مقاوماً يتوق إلى انتزاع الحقوق، لكن استمرار الانتفاضة، ومواقف شهدائها، وأبنائهم وإخوتهم وأهاليهم... أحبطت مفاعيل هذا الترويج وثبَّتت حقيقة أن الانتفاضة ليست سوى رد ــ بما تيسر ــ على الاحتلال، وخصوصاً أنها أتت في الوقت الذي تتكالب فيه القوى الدولية والكثير من القوى الإقليمية لحشر الشعب الفلسطيني بين خيارين: إما استمرار الطوق وسلبه عناصر الصمود والمقاومة، وإما التسليم بالهزيمة عبر قبول شرعنة الاحتلال والتكيف مع سقوفه السياسية والاستيطانية.