دخلت «انتفاضة القدس» عامها الثاني ولا تزال تختلف عن سابقاتها: الأولى كانت تعتمد على المدّ الجماهيري بسلاح قليل، والثانية كانت مسلحة مع مدّ جماهيري مقتطع. أما هذه الانتفاضة، الثالثة، فتمازجت فيها البنادق المصنّعة محلياً مع العمليات الفردية. لكن، في المقابل، ثمة آلاف البنادق تغطّ في سبات، فيما لا تخرج الجماهير والفصائل سوى للمباركة بالعمليات ولطباعة ملصقات نعي الشهداء... والسلطة إن كانت حيادية في بداية «انتفاضة القدس»، فهي مشاركة في محاولة وقفها منذ شهور.

وفي موازاةِ تقدم الشبان بالسلاح الأبيض على مرأى ومسمع من الجميع، يفرض مشهد متناقض آخر نفسه في الخفاء، برغم أن الكاميرات لم تصوره كالسكاكين، ألا وهو مشهد تكديس العائلات والعشائر «ترسانة» من الأسلحة الخفيفة، مثل «الكلاشنيكوف» و«إم 16» وغيرهما من الوسائل القتالية، وذلك بعدما أدخلت بعض العائلات بندقية «تافور» الحديثة، ذات الصنع الإسرائيلي، منذ عام 2003 إلى عدة مناطق في الضفة المحتلة، منها محافظة نابلس (شمال).
تحصل العائلات الكبيرة على السلاح من مصادر معروفة كالتجار، إما من داخل الضفة أو الأراضي المحتلة عام 48. ووفقاً لمصادر متعددة، فإن العائلات والعشائر تكدّس القسم الأكبر من الأسلحة في محافظة الخليل (جنوب)، وبعض المناطق في نابلس، حتى إن عدداً من الشجارات العائلية خلال «انتفاضة القدس» تخللها استعمال للأسلحة الرشاشة المتوسطة مثل «رشاش عيار 250».

يوجد تناغم ثلاثي بين السلطة والاحتلال والعشائر بشأن سلاح الأخيرة

تواصلْنا مع بعض الشخصيات في العشائر، فردت بأن وجود السلاح «أساسي لحماية العائلات وممتلكاتها»، وأضافوا أنهم يلتزمون الوفاء للسلطة ودعم شرعيتها في الخطابات والبيانات كافة. في المقابل، تتغاضى السلطة، التي تلوح دائماً بشعار السلاح الشرعي الواحد، عن سلاح العائلات منعاً للاصطدام معها، فضلاً عن أن سلاح العائلة لا يمثل تهديداً للمؤسسات الرسمية الفلسطينية أو حتى للاحتلال، فوق أن نسبة كبيرة من حملة سلاح العائلات هم أفراد في أجهزة أمن السلطة نفسها.
لا يمكن، عملياً، لسلاح العائلات أن يطلق النار على جنود العدو حتى مع تفجر الأوضاع وزيادة وطيس المواجهة، لأن هذا السلاح يحكمه العُرف العشائري، وحامله مجرد تابع، لا يملك قراره المستقل في التصرف به. وفي حال حدوث «خطأ فردي» نتج عن استعمال السلاح، فإن الشخص يتحمّل وحده مسؤولية فعله، ولا يمكن لعشيرة مسلحة ما أن تبارك عملية ولدها إذا ما أطلق النار على جنود العدو من سلاح لم يشتره على نفقته، لأن هذا يعني اصطدام العائلة مع السلطة والاحتلال على حد سواء.
مما لا شك فيه أن التدجين، أو نموذج «الفلسطيني الجديد»، نجح إلى حد ما في إضعاف الدور الوطني للعشائر والعائلات، فيما أخفق أمام بعض النماذج. في محافظة الخليل، التي تنقسم إلى قسمين (H1) و(H2) وفق «برتوكول الخليل» الموقّع بين السلطة الفلسطينية والعدو عام 1997، نتج من هذا التقسيم أن تكون مساحة 80% من المدينة تحت سيطرة السلطة، أما النسبة الباقية 20% فتقع تحت سيطرة العدو بما يكفل لإسرائيل أمن مستوطنيها في هذه المناطق، وهو ما انعكس على المنطقة الجنوبية (المصنفة ضمن السيطرة الإسرائيلية)، وجعل عشائرها ترفض الانخراط في المواجهات، لأنها تتعارض المصالح التجارية الخاصة بها وتعطل الحركة الاقتصادية اليومية في المناطق الساخنة مثل باب الزاوية، حيث تعج هذه المناطق بالمحلات التجارية والمصانع وورش العمل، التي تمثّل العصب الرئيسي للاقتصاد الفلسطيني.
السلطة غضّت النظر لأعوام طويلة عن ظاهرة الاتجار بالسلاح وتشبث العائلات به، ما دام ليس له أبعاد خطيرة على الاحتلال أو عليها، خاصة أنها سعت إلى ربط مفهوم «المقاومة والانتفاضة» في عقلية الفلسطيني بـ«الفلتان الأمني والفوضى»، التي ستعطل مصالح الناس. لكن، إذا ظهرت بوادر تمرد في سلاح العشائر، كأنْ يقتل رجل من العائلة عسكرياً فلسطينياً، أو باع بندقية لمقاوم ولم يستطع الاحتلال اعتقال البائع، فإن السلطة ستبادر إلى شن حملة واعتقال من تعتبره «خارجا عن القانون»، أو سيلجأ كبار العشائر ووجهاؤها إلى تسليم الأشخاص بأنفسهم إلى الاعتقال، لأن هذا سيحمي العائلة من تأزم الموقف. أما المصيبة، فإنه في عُرف العشائر، القتال ضد عشائر أخرى مسموح به، وهذا يظهر في الخليل بما يفوق باقي المحافظات، نظراً إلى كثرة العائلات الكبيرة التي تقتني السلاح والعرف العشائري المعمول به هناك.
ولا يخفى أن السلطة لا تسمح لغير أفراد الأجهزة الأمنية أو مناصريها أو عناصر حركة «فتح» باقتناء السلاح، أكان ذلك داخل العشائر أم في أي إطار آخر غير رسمي، ويرجع هذا إلى اعتقادها سابقا أن بإمكانها السيطرة على هذا السلاح وقت ما تشاء، وأيضاً لترغيب الشعب في وجود السلطة على علّاتها، وترهيبه من احتمالية عودة هذا السلاح كظاهرة كما كان قبل عام 2007. لكن رؤوس السلطة وجدوا أنفسهم في صراع مع هذا السلاح عندما حاول خصوم لهم، مثل القيادي محمد دحلان، تسليح بعض الأفراد والجماعات، أو دفع المال لجماعات مسلحة داخل عائلات تكون في انتظار الأوامر.
ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن التخوف الذي يسود الشارع الآن، خاصة في مخيمات نابلس، هو إعطاء دحلان الضوء الأخضر لمسلحين محميين بعائلات كبيرة، وذلك لإشعال حالة من الفوضى من في سبيل الضغط على «أبو مازن»، ثم تنجرّ الأحداث إلى مربع تصفية الحسابات واختلاط الرهانات.