لا يمكن الحديث عن خريطة توزّع السلاح في الضفة المحتلة مع إغفال سلاح المخيمات، حيث يمتلك عشرات الشبان قطع سلاح خاصة بهم في كل مخيم، فضلاً عن قطع أخرى متعددة المصادر والتمويل، كلّها تشترك في كونها غير واضحة المعالم، أي ليست سلاحاً قانونياً مرخصاً، ولا تصنَّف واقعياً في إطار سلاح المقاومين المطلوبين للعدو، والانتفاضة الجارية خير دليل. كما أن السؤال الجوهري عند تناول قضية «سلاح المخيمات»، هو: كيف لشاب بسيط في بداية العشرين من عمره أن يؤمن مبلغاً قدره نحو 25 ألف شيكل (6600 دولار أميركي) ــ على أقل تقدير ــ لشراء بندقية؟
سلاح المقاومة في المخيمات ليس مخصصاً للاستعراض أو للاستئجار

يحصل فلسطينيو كل مخيم على سلاحهم من عدة مصادر، هي: التجارة مع المخيمات الأخرى، أو الارتباط المباشر مع تجار الـ48، أو عبر «التجار الصغار» في المخيم نفسه، الذين يعملون أو يتصلون بـ«تجار كبار». والمصدر الأول الأكثر رواجاً بسبب العلاقات الوثيقة بين المخيمات الممتدة للروابط التاريخية ووحدة الواقع المعيشي الصعب، لكن كل مخيم يتمتع بخصوصية رغم اشتراك طبيعة السلاح فيها بعدة نقاط، فالقواسم المشتركة هي تدفق السلاح إلى الأزقة، ووجود تجار محليين من القاطنين داخل المخيمات نفسها بما ان هذه التجارة رائجة وعليها عرض وطلب متصاعد. أما الاختلافات، فهي كثيرة، ففي جنين شمالاً معظم المسلحين يتبعون لحركة «فتح»، مقابل وجود جيد لسلاح «سرايا القدس»، الذراع العسكرية لـ«حركة الجهاد الإسلامي». وفي بلاطة، شرق نابلس، يوجد خليط من المجموعات المسلحة المتعددة الولاءات، مع أن غالبية عناصرها ينتمون إلى «فتح» تحديداً، وكذلك الحال في المخيمات الباقية.
ومخيم بلاطة يمثل حالة استثنائية، بحكم أنه أكبر مخيمات الضفة وأكثرها تخزينا للأسلحة، ثم يأتي مخيم جنين. في الأول، عام 2007 عقب انتهاء الحالة الانتفاضية، عادت المجموعات المسلحة للتوسع في المخيم تدريجياً، وساعدها على ذلك أن أجهزة السلطة لم تنفذ أي حملة أمنية ولم تدخل بلاطة نهائيا لخمس سنوات، لأنها تدرك أن مسلحي المخيم يتبعون لـ«فتح».
ينقسم المسلحون في بلاطة إلى ثلاثة أصناف، جميعهم يتبعون لـ«فتح» أو هم أفراد في الأجهزة الأمنية للسلطة: القسم الأول هم مسلحو الحركة الذين يعود مصدر تمويلهم إلى بعض القيادات مثل: محمد دحلان، أو كل قائد يطمح الى السيطرة والبقاء في الفلك السياسي، والقسم الثاني مسلحون مدعومون من العصابات الجنائية، وهم متورطون في تجارة السلاح والمخدرات والمواد الممنوعة، والقسم الثالث مسلحون عسكريون يعملون في أجهزة أمن السلطة وتمولهم الأجهزة الأمنية وقياداتها في نابلس، بحكم طبيعة عملهم في المخيم، ما يغطي على حيازتهم السلاح غير المرخص لأنهم أفراد أجهزة أمنية، فضلا عن أن أبناء العائلات الكبيرة من حملة السلاح يتوزعون على هذه الأقسام الثلاثة.
أما سلاح المقاومة في المخيمات، فمن المعروف أنه يتمتع بالسرية وليس مخصصاً للاستعراض أو للاستئجار، ويلاحقه العدو الإسرائيلي بصورة واضحة، مستعيناً بالسلطة.
اللافت أن السلاح «غير المقاوم» في المخيمات، وحتى المدن، لا يستعمل لغرض استعراض العضلات في الأعراس والأزقة فحسب، بل إن بعض المسلحين يشتهرون بابتزاز التجار، على قاعدة «سأطلق النار على محلك التجاري إن لم تدفع مبلغاً من المال»، والبعض الآخر سلاحهم يخولهم العمل في جباية الديون مقابل نسبة من المال المدين، وهذا ما يعرف بـ«الخاوات» أو «الأتاوات»، إضافة إلى ظاهرة استئجار مسلحين لإطلاق النار في الأفراح، وهؤلاء يتقاضون عن كل «مشط رصاص» 300 شيكل (نحو 75 دولاراً)»، بجانب تأجير البنادق نفسها.
ووفق مصادر تحدثت إلى «الأخبار»، فإنه في ظل اشتداد الخصومة بين تياري محمود عباس ومحمد دحلان، تموّل حالياً قيادات في الحركة المسلحين في المخيمات وتدعمهم، بل حاولت شخصيات عدة استقطاب كل مسلح بقدر الإمكان مقابل السخاء المادي. ولعل الأخطر هو إعلان المسلحين أنفسهم تأييدهم أكثر من قيادي في الوقت نفسه من أجل الحصول على مبالغ أكبر، وهذه الازدواجية في التأييد تنبع من تنافس القيادات والأقطاب كلٌ على حشد مسلحيه من أجل لحظة خلافة عباس، الذي لا يزال بلا نائب حتى الآن. أما المسلحون، فيدركون طبيعة المرحلة المقبلة، ويرون أنفسهم «الطرف الأقوى» الذي يسعى الجميع إلى خطب ودّه.