من يتابع عمل معظم الجمعيات الإسرائيلية ذات الأجندات الواضحة، أو الخفية، وخصوصاً تلك التي تنشط لأهداف استيطانية وعنصرية، يصل إلى خلاصة مفادها أن هناك علاقة وثيقة بينها وبين المؤسسات الحكومية. فعلى غرار تقارير سابقة تحدثت عن أنشطة الجمعيات، أظهر تقرير لصحيفة «هآرتس» العبرية، أمس، أن وزارة الرفاه الاجتماعي قررت رفع تمويل جمعية «حملاه» التي أنشئت بهدف «إنقاذ فتيات يهوديات يعشن داخل عائلات تواجه محن (طلاق، ومخدرات، وعنف... إلخ)»، كما تقول الوزارة.

لكن يتضح من التقرير أن نشاط الجمعية ليس نشاطاً اجتماعياً، بل نشاط عنصري، إذ تعمل على ما سمّته «إنقاذ فتيات يهوديات من الأغيار»، أي الفتيات اللواتي كنّ قد تزوجن بفلسطينيين، وإعادتهن إلى المجتمع اليهودي، وهو الهدف الذي تنشط لأجله جمعيات صهيونية مختلفة تتلخص أهدافها في منع الاختلاط مع الأغيار (كل من ليس يهودياً).
ولتلخيص نشاط هذه الجمعيات، قد تصلح الاستعانة بتعريف «اليد اليمنى للدولة»، لكن بعيداً عمّا هدف إليه عالم الاجتماع الفرنسي، بيار بورديو، في وصفه لتحلل الدولة من مسؤوليتها الاقتصادية أي تحلل اليد اليسرى من ذلك. ففي الحالة الإسرائيلية، تحديداً عندما يرتكز التعريف على أن «الدولة» هي الحجر الأساس (لناحية تراتب المؤسسات الحكومية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية وليس لناحية شرعيتها)، نجد أن الجمعيات الاستيطانية الدينية هي المثال الذي يجسد «اليد اليمنى» التي تلعب دوراً ليس بإمكان «الدولة» لعبه في العلن.
وذلك لأن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية (الشرطة، والجيش، والمخابرات) لا تستطيع القيام بهذه الأنشطة الترهيبية علناً (حرق سيارات الفلسطينيين خصوصاً في المناطق المحتلة عام 1948، كتابة عبارات عنصرية على جدران منازلهم، الاعتداء على مقدسات إسلامية ومسيحية)، ولذلك كان إنشاء جمعيات وتنظيمات مختلفة بوتيرة متسارعة هو الحل الذي من خلاله تدير «الدولة» الإرهاب.
هذه الحقيقة يفسرها ظهور الارتباط الخفي «بالدولة» كلما أُعلن نشاط مريب لجمعية ما. مثلاً، عندما أُحرقت عائلة الدوابشة، تبيّن أن المستوطن الذي نفذ الجريمة يتبع لتنظيم «تمرد»، وله ارتباطات «بفتية التلال»، وحتى بـ«حنينو»، والأخيرة هي جمعية تموّل التنظيمات الاستيطانية وتحصل على موازنتها من وزارة المالية، إضافة إلى منحها تسهيلات ضرائبية وتخفيضات. وعندما خضع المجرم لتحقيق لدى جهاز «الشاباك»، تبين أخيراً أن المستوطن الذي أشعل الحريق ليس إلا عميلاً للجهاز نفسه.
بالعودة إلى جمعية «حملاه»، يشير تقرير الصحيفة إلى أنها أنشئت قبل عشر سنوات، بتمويل من وزارة الرفاه الاجتماعي الإسرائيلية، وتدير «مأوى للفتيات» في القدس تقدر تكلفة تشغيله بنحو 2.6 مليون شيكل (ما يزيد على 600 ألف دولار)، وهو مبلغ يعتبر كبيراً مقارنة بمعاهد ومؤسسات اجتماعية إسرائيلية أخرى.
وفي هذا الإطار، ذكرت «هآرتس» أن الحكومة الإسرائيلية قررت أخيراً رفع الموازنة المخصصة لـ«حملاه» العنصرية، التي تعمل على منع اختلاط ومصاهرة فتيات يهوديات مع العرب من خلال الزواج، ما عُدّ غطاءً شرعياً، يسمح لها بتوسيع نشاطها. فبعد عشر سنوات من التعاون، ومن دون مناقصات، خصصت الحكومة، ميزانية 1.3 مليون شيكل للجمعية.

هدف الجمعية إنقاذ فتيات يهوديات من خطر التحول عن اليهودية

يقود «حملاه» مستوطنون متطرفون باتت أسماؤهم مكشوفه، أمّا رئيسها فهو إيلياكيم نايّمن، الذي يعتنق أفكار الحاخام الصهيوني، مئير كهانا. وبدأت الجمعية تصرّح أخيراً بأن أحد أهدافها المركزية هو «إنقاذ فتيات يهوديات من خطر التحول عن اليهودية»، في حين أن الوزارة التي تخصص ميزانيات لها، ما زالت تزعم أن هدف الجمعية هو «إنقاذ فتيات حريديات (يهوديات متدينات) يعانين من ضائقة اجتماعية».
نايمن الذي يعتنق أفكار المدرسة الصهيونية التي أسسها كهانا وتدعى «الفكرة اليهودية الدينية»، ليس وحده من يثير الشبهات حول نشاط الجمعية، بل أيضاً اتضح أن رئيس منظمة «لهافا» (لمنع الاختلاط بالأغيار)، بنتسي غوبنشطاين، هو عضو في «حملاه» وأحد أصحاب حق التوقيع فيها. والأخير كان محط أنظار الإعلام أخيراً، عندما تبين أنه أنشأ معسكرات تدريب لشبان مستوطنين تراوح أعمارهم بين 14 و22 عاماً، تدربوا في خلالها على تنفيذ هجمات ضد الفلسطينين.
وفي عام 2014، أظهر تقرير «مسجّل الجمعيات» في إسرائيل أن هناك حلقة وصل بين جمعية «حملاه» وتنظيم «ليهافا». ولمّا كان يُنظر إلى الأخيرة على أنها منظمة يجب أن تحظر بموجب القانون الإسرائيلي (لم يحظرها القضاء في نهاية الأمر، وهو ما فسّر على أنه تواطؤ من جانبه مع المنظمة)، طلب حينها المسجل، وبسبب المخاوف من نشاط «ليهافا»، أن يعاد النظر بالعلاقة والارتباط بين الجهتين.
وبالعودة إلى رئيس «حملاه»، أوضحت «هآرتس» أن أفكاره العنصرية ظهرت عندما كتب سابقاً في إحدى النشرات الإعلامية أن «الاختلاط مع الأغيار هو مشكلة في كل أنحاء إسرائيل، وأن نشاط حملاه يهدف إلى إنقاذ فتيات قبل وصولهن إلى القرى العربية، وقبل أن يولدن أحمد بن موشيه»، في إشارة إلى ولادة طفل غير يهودي.
إضافة إلى أفكاره ومعتقداته، فإنّ نايمن، وفق الصحيفة العبرية، هو أحد أعضاء اللجنة الإدارية لجمعية «حبور مِحَداش» (الارتباط مجدداً) التي انضمت أخيراً إلى جمعيات تفعيل «الخدمة الوطنية» التي تستهدف بالأساس الشبان في الأراضي المحتلة عام 1948 الذين لا تفرض إسرائيل عليهم الخدمة العسكرية الإلزامية، وبات معروفاً أن هدف «الخدمة» الأساسي هو أسرلة هؤلاء الشبان وتشويه هويتهم العربية الفلسطينية.
ولم يكن نايمن أو المعبرون عن هدف الجمعية، أول المرتبطين بتنظيمات ذات أهداف عنصرية وإرهابية واضحة. فقد أشار تقرير أعده أوري بلاو، قبل 5 سنوات في الصحيفة نفسها، إلى أن مديرة الجمعية، راحيل برانس، لها ارتباطات مع «ليهافا»، وأنها كتبت في المواقع العبرية أن «حملاه هي بيت بنات إسرائيل الدافئ، اللواتي يُنقَذن من القرى العربية». كذلك صرّحت في منشور أصدرته الجمعية بأنها تكرس حياتها لما سمّته «إنقاذ بنات إسرائيل من براثن الإسماعيليين» (الذين ولدوا من إسماعيل وليس من إسحق)، إذ ادعت أنها «التقت قبل 18 سنة فتاة يهودية وعلى جسدها آثار كدمات، وهذه الفتاة كانت قد تزوجت بفلسطيني ولذلك فإن حملاه هي البيت الدافئ، لأن حياتهن أقسى من العيش داخل سجن»، مشيرة إلى أن الجمعية بحاجة لمزيد من التمويل لـ«عمليات الإنقاذ».
وتبين من وثائق وزارة الرفاه التي اطلعت عليها الصحيفة، أنه سيُحول مبلغ 1.3 مليون شيكل سنوياً للجمعية، كذلك إن نشاط «حملاه» يجري بتنسيق كامل مع الوزارة، وأن المسؤولين يعبّرون عن تقديرهم لعمل الجمعية. وذكرت أنه في عام 2011 عندما دخل الصحافي التابع لها، بلاو وشاي غرينبرغ، إلى مقر «حملاه» لإعداد التقرير، رفعت ضدهما النيابة الإسرائيلية قضية جنائية، اتُّهما فيها بمحاولة «تلطيخ سمعة الجمعية». في المقابل، عندما توجهت «هآرتس» أخيراً إلى الوزارة المعنية، مبينةً أمامها النتائج التي توصلت إليها، جاء الرد أن «الوسط الحريدي بحاجة لأطر من هذا النوع».