بين حوار الأطراف السياسية وتمدّد تنظيم «داعش»، تبقى الأزمة الليبية تراوح مكانها، خاصة أنّ مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، برناردينو ليون، يبدو أنه عجز حتى الآن في طرح خريطة طريق من شأنها أن تقرّب وجهات النظر بين الفرقاء.

وبرغم رفض بعض الأطراف المتنازعة في ليبيا، واشتراطات البعض الآخر، بشأن مسودة الاتفاق السياسي الأخيرة التي طرحها ليون، إلا أن المبعوث الدولي أعلن في نهاية جولة حوار في الجزائر يوم الخميس الماضي، أن «الوضع الأمني في ليبيا حساس في ظل توسع داعش»، مضيفاً: «وجهنا نداءً حول ضرورة توقيع اتفاق سياسي لتجاوز الأزمة».

وتتصارع على السلطة في ليبيا حكومتان: الحكومة المؤقتة، المنبثقة من مجلس النواب في طبرق، ومقرها مدينة البيضاء، وحكومة الإنقاذ، المنبثقة من المؤتمر الوطني العام، ومقرها طرابلس.
وكان المؤتمر الوطني العام قد أعلن رفضه للمسوّدة الأخيرة، فيما خيّر مجلس النواب المنعقد في طبرق تعديل بعض النقاط، ما يجعل المسوّدة الجديدة المنتظرة محلّ تساؤل، حول ما إذا كانت تلبي رغبات أطراف النزاع في ليبيا.
ويبدو أن ليون نفسه يدرك ذلك، حيث قال في مؤتمر صحافي عقب اجتماع الجزائر الأسبوع الماضي، إن «المفاوضات لم ولن تكون سهلة، لكن أُحرز تقدم كبير، خاصة بتأكيد ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية»، مضيفاً أنه «ستكون هناك ورقة أخرى أو مسودة للاتفاق السياسي في الأيام المقبلة بعد تعديل الورقة الحالية بناءً على ما قُدِّم من مقترحات».
وطرحت المسودة الأخيرة ثلاث نقاط: تشكيل حكومة وحدة وطنية توافقية ومجلس رئاسي من شخصيات مستقلة؛ اعتبار مجلس النواب (في طبرق) الهيئة التشريعية ويمثل جميع الليبيين؛ تأسيس مجلس أعلى للدولة، ومؤسسة حكومية، وهيئة صياغة الدستور، ومجلس الأمن القومي، ومجلس البلديات.
ويبدو أنّ الأزمة في ليبيا لا يمكن حلّها انطلاقاً من تحديد الجهة الشرعية، بل هي مسألة توافقات، بمعنى أن تدفع الأطراف المتنازعة نحو مجموعة من التوافقات يلتقي حولها الجميع، أما في حال تمسك أطراف النزاع حول الشرعية فإنّ مبادرة ليون ستشهد انتكاسة أخرى.
كذلك إن إصرار اللواء خليفة حفتر، قائد «عملية الكرامة» العسكرية المدعومة من مجلس النواب في طبرق، على رفضه الحوار بين الأطراف السياسية قد يعوق أي حلّ توافقي، خاصة أنّه يبحث عن تثبيت قدمه على رأس المؤسسة العسكرية التي قد تكون نقطة اختلاف بين الأطراف السياسية.
ويحاول طرفا النزاع في ليبيا تحسين شروط التفاوض من طريق تحقيق تفوّق عسكري، وهي حقيقة أصبح يدركها كل الفاعلين السياسيين في ليبيا والخارج، إذ أكّد ليون في وقت سابق على هامش منتدى عالمي أميركي ــ إسلامي انعقد في العاصمة القطرية الدوحة، الأسبوع الماضي، أن «لا حلّ عسكرياً في هذا البلد، حيث الفصائل الكثيرة المنتشرة فيه قويّة بما يكفي للدخول في الحرب، لكنها أضعف من أن تتمكن من الانتصار فيها».
الحوار السياسي الليبي، وإن بدى متعثّراً ومبتوراً، يميل بكفته إلى طرف دون آخر كما أشار سابقاً المتحدث الرسمي باسم المؤتمر الوطني العام، عمر حميدان، مستدركاً: «إلاّ أنّه (بمرارته) يبقى المسلك الوحيد للخروج من حالة الفوضى، خاصة أنّ شوكة الإرهاب تزايدت في مناطق متفرّقة من ليبيا».
طول الصراع والعمليات العسكرية غير الحاسمة، جعلا غالبية الأطراف الليبية كما الدولية المعنية بالشأن الليبي تقتنع بأنّ الصراع في ليبيا لن يحسمه أيّ طرف لمصلحته بصفة قطعية، نظراً إلى انقسام الشعب الليبي بين مؤيد لقوات «فجر ليبيا» (الموالية للمؤتمر الوطني العام) وآخر لـ«عملية الكرامة» العسكرية التي يقودها حفتر والمدعومة من مجلس النواب المنعقد في طبرق. كذلك باتت تلك الأطراف ترى أيضاً أنّ مهمّة المبعوث الدولي إلى ليبيا ستواجه بعدة عراقيل، أهمّها التوافقات الأساسية المتعلّقة بملامح حكومة التوافق الوطني المزمع تشكيلها.
وفي نفس الإطار، إنّ توسع تنظيم «داعش» في عدد من المدن الليبية أصبح يشكّل عائقاً كبيراً أمام حلّ الأزمة في ليبيا وإعادة الاستقرار في هذا البلد، بعد أربع سنوات من سقوط نظام القذافي.
فبعد تحوّل مدينة درنة (شرق) إلى معقل لعدد من التنظيمات المتشددة التي تحمل نفس الخط الفكري لـ«داعش»، سقطت مدينة سرت التي تتضمن ميناء و«قاعدة القرضابية» الجويّة (تعد أكبر قاعدة عسكرية ليبية موجودة في سرت)، وذلك بعد انسحاب قوّات «فجر ليبيا ــ كتيبة 166»، وأصبح للتنظيم مجال حيوي يتحرك فيه لينقل عمليّاته إلى مدينة مصراتة (غرب).
وكانت حكومة الإنقاذ المنبثقة من المؤتمر الوطني العام قد أصدرت بياناً الأسبوع الماضي، دعت فيه «الضباط وضباط الصف والجنود التابعين لرئاسة الأركان العامة للجيش الليبي، ولوزارة الداخلية وكافة الأجهزة الأمنية وثوار السابع عشر من فبراير من جميع المدن... إلى النفير العاجل»، لمواجهة «داعش» في ليبيا .
في المقابل، طالبت الحكومة المؤقتة المدعومة من مجلس النواب المنعقد في طبرق المجتمع الدولي بالتدخل لمنع سيطرة «داعش» على المدن الليبية والمنشآت النفطية، فيما تواصل التشكيلات المسلّحة التابعة لقوات حفتر عمليّاتها في بنغازي، وسط اتهمات بأنّها تغافلت عن باقي المدن التي يسيطر عليها «داعش».
وهنا، يبقى ملف الإرهاب وتنامي المخاطر التي يمثّلها «داعش» في ليبيا وتداعياته على دول الجوار، وبلدان المتوّسط، من أهم الملفات التي يمكن أن تسرّع بإيجاد حل سلمي للأزمة الليبية. فهل تكون اللقاءات الديبلوماسية في القاهرة والجزائر أمس، باباً لذاك الحل؟ وهل يشهد الحوار في مدينة الصخيرات في المغرب انفراجات مهمة؟
(الأناضول بتصرف)