ثورة الغلابة تراقب، وعِلمُها عند 11 نوفمبر الجاري وحده. أسعار البنزين والسولار وغاز السيارات، وأُنبوبة البوتاغاز، زادت، فيما الغضب يفوح من صدور المصريين. تعويم الجنيه (الخميس الماضي)، زلزال مُتسلسل، والدواء المرّ (قرض صندوق النقد الدّولي) قتل المريض العزيز. فلا تنسوا أخاكم الجنيه بالدعاء، صلّوا من أجل أن تستقر روحه المُعذَّبة في سماء النسيان. صار مرحوماً، وقد دخل التابوت الفرعوني المُعتبر، وسط صرخات الملايين المكلومين... صاحوا فلم تَسمع الجُثة: "ح تسيبنا لمين من بعدك يا جنيه؟".

تبقى الدعوة إلى تظاهرات 11 نوفمبر في خلفيّة وسائل الإعلام الرسميّة، إذ راحت تصوّر قرار التعويم بالانتصار الوطني: اقتصاد مصر في "العلالي"، مليارات القرض في الطريق، والاستثمارات في العربة التالية. لكن الحقيقة عكس ذلك: الأسعار ارتفعت بالفعل، بمقدار 40% في ساعات، وقابلة للزيادة؛ الركود التضخمي سيرتفع؛ الاستثمارات في البلد ضعيفة (14% من الناتج المحلي الإجمالي) والمناخ الجاذب أضعف؛ تراجع قيمة الأجر الحقيقي مقابل التضخم، سيؤدي قطعاً إلى تراجع الطلب، ليتقدم الركود؛ السياحة متوقفة، فيما الاقتصاد العالمي متباطئ أصلاً.
يقول كهنة البنك المركزي، إن هدفنا هو ضبط منظومة أسعار الصرف الجديدة، لخفض معدل التضخم، وضبط الأسعار التي زادت في الأسابيع الماضية 16% من تسعيرة المستودرين للسلع، وبالتالي فلن تزيد مجدداً، لكنها أيضاً رواية غير دقيقة. فتحرير أسعار الوقود، وهو شرط آخر للصندوق الدّولي، سيرفع مجدداً معدل التضخم. وعجز الموازنة سيرتفع، وكذا خدمة الدين الحكومي، وقرار رفع سعر الفائدة 3% الأخير، زاد عبء تكلفة اقتراض الحكومة... لينزل بالمحصلة ملايين من أبناء الطبقة الوسطى إلى الطابق الأرضي.
التوابع السياسيّة لزلزال التعويم، ترتطم بنوافذ البيوت. هناك غرافيتي ومُلصقات تدعو الناس إلى التظاهر. هو موعد جديد لجسّ النبض الجماهيري، بينما التوقعات حول قدرة هكذا دعوة على الحشد، ضعيفة، حتّى الآن، رغم إعلان وفاة الجنيه.
عبارة "غلابة" جذابة، لكنها مُكرّرة. في 9 أيلول/سبتمبر 2014، دعت حركة "ضّنك" المحسوبة على جماعة الإخوان، إلى "ثورة غلابة": "علشان بقينا ع الحديدة، اغضب. احشد. انزل". لم تنجح الدعوة في الحشد، ومرّت كطائر عابر، خاصة أنّ الرأي العام المُحتقن والغاضب من فترة حكم الإخوان، مشى على طول خط الاستغراب، ولم يعبأ للدعوة: "الإخوان مع الفقرا؟ اشمعنى النهاردة؟ مِش الغلابة دول كانوا مخربين، ومُتآمرين على الرئيس مرسي، السنة إللي فاتت؟".
هناك غموض يلفّ دعوات النزول 11 نوفمبر: الجمهور الذي خرج في ثورة يناير، مُحبط، والمفاجآت دائماً كانت في غير صالح الفريق الأكثر وعياً وخيبة أمل. وبخلاف المناخ غير الديموقراطي الحالي، فإن الشرط الذاتي للاحتجاج المنظم غير متوفر: الينايريون يعانون كسوراً عميقة في العظم، فلا يقوون على المشي، ولم يُمرّنوا منذ عامين، تقريباً، لياقة الحشد والتعبئة. تظاهرات "تيران وصنافير"، كانت تدريباً جيداً من ناحية قوة الدعاية والتأثير المعنوي، لكنها كانت ضعيفة تنظيمياً (شمعة أضاءت في ظلام المعارضة المصريّة، ثم انطفأت). زد أنّ السلطة الحالية، كانت تدكّن في جيبها، سيناريو الإخلاء القسري للجميع بعد تظاهرات 30 يونيو.
دعوات التظاهر، تتأمل جسد المعارضة المُنهك. الكل غير مهيأ لجّو الميادين. هناك حالة إرهاق. مصادرة الفضاء العام، وخنق حرية الصحافة، والتعبير، وسجن رموز الحركات الشبابيّة، وقمع التظاهرات في الشوارع بالآلة الأمنيّة، كلها أحجار كبيرة تقف أمام قطار الاحتجاج المنظم. لكن الصخرة الأكبر (آفة ثورة يناير)، غياب التنظيم الجماهيري، الذي يحشد من أسفل وينظّم الحركة ويشاور على الخطوة التالية.

برغم توافر
شروط الغضب الجماهيري، فإنّ قوى المعارضة مرهقة

الدعوة إلى تظاهرة الغلابة في 11/11، لا تنطق بمطالب واضحة، ولا تُظهر قيادة جماهيرية، ولا تحمل رسائل جديدة. صياغة البيان المنسوب لحركة "غلابة" غريبة، خصوصاً هذه الفقرة: "نداء هام وعاجل من حركة غلابة إلى كل المصريين الأحرار بالخارج: نرجو من كل المصريين الأحرار بالخارج والمتضامنين مع حركة غلابة ودعوتها لثورة الغلابة في 11/11 القادم أن تقوموا من الآن بالتواصل مع كل وكالات الأنباء العالمية والمنظمات الحقوقية الدولية ومنظمة الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية ومنظمات حماية الحقوق والحريات، والطلب منهم رسمياً على لسان الحركة بإرسال مندوبين لهم إلى مصر قبل 11/11، وذلك للوقوف على أي تجاوز واعتداء محتمل من السلطة الغاشمة بمصر في تعاملها مع الشعب المصري الثائر الذي سينزل إلى شوارع مصر مطالباً بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية".
المنسق العام للحركة، كما يظهر في مقاطع فيديو على "يوتيوب"، وصفحة الحركة على "فايسبوك"، ياسر العمدة، شخصية مغمورة سياسياً، وهذا يرفع نسبة العازفين عن المشاركة في فعاليات يوم 11 نوفمبر، من شباب الأحزاب والحركات السياسيّة.
اليوم المذكور، يفسره البعض بطريقة أخرى. قطاع من الرأي العام، يعتقد أن ثورة الغلابة تلك، مجرد فرقعات من صُنع أجهزة الدّولة، لصرف انتباه الناس، وتوصيل رسائل مُجهزة سلفاً، تقول إن "الناس لم يستجيبوا لدعوات التخريب والفوضى، وأنّ البلد انتصر على قوى الشر التي تقف وراء المؤامرة". يردد إعلام السلطة، دائماً هكذا فوائض لغويّة، يلمّع العبارات الرتيبة، ويُصرّ على إضافة نقاط معنوية، في سلّة الدّولة العميقة، في آخر ورديّة الليل.
هناك ترتيب من جانب الحكومة للتعامل مع اليوم. هناك ما يُشبه التعليمات الرسمية الشفويّة، لأحزاب، وهيئات رسمية، ومحافظي الأقاليم، بالمشاركة في فعاليات شعبيّة تدعم الرئيس السيسي، والدّولة. خرجت مبادرة "هنبني ونعمّر"، من الأدراج. دعوة للتبرع لصندوق تحيا مصر، عن طريق رسائل المحمول.. وزارة الداخلية، من ناحيتها أعلنت جهوزيتها "لمواجهة أي محاولات لإعادة البلاد إلى دائرة الفوضى وعدم الاستقرار".
هناك مسكّن آخر، قررت الرئاسة طرحه لتجنُّب صداع بعض الإعلاميين ورؤساء الأحزاب، الذين يختلفون معها في بعض التفاصيل الفرعيّة. شُكلت لجنة من الشباب الذي شارك في مؤتمر شرم الشيخ الأخير، لإعداد قوائم بمن يمكن أن يصدر لصالحهم قرار عفو رئاسي. خطوة تشكّك المنظمات الحقوقية المستقلة، في جديتها، بدعوى أنها لن تشمل من صدر بحقهم حكم قضائي نهائي. القصة ستأخذ بعض الوقت، وتُنسى، وقد لا يُعفى عن أحد (عايز تبوّظ أي حاجة في مصر، اعمل لجنة).
الحكومة على الخط. هناك تعليمات بامتصاص غضب الجماهير. تعريفة جبريّة على سائقي سيارات الأجرة. قرار التعويم، خطير، والأسعار ترتفع من تلقاء نفسها. رئيس الوزراء شريف إسماعيل جمع الصحافيين، ليقول إن الخطوة لا مفرّ منها. ستزيد من الاستثمارات الأجنبيّة في مصر، وسترفع معدل النمو، وتوفر آلاف فرص العمل للشباب. لا تقلقوا. مصر بخير. كتب الصحافيون عبارات رئيس الوزراء المُنمقة، وراح الناس يتشابكون بالأيدي أمام المتاجر، ومحطّات البنزين، وداخل "الميكروباص".
كل شروط الغضب الجماهيري، متوفرة، لكن الشرط الذاتي يهرب من المواجهة. الكل يتبرأ من "ثورة الغلابة". هذا لا يعني أن "الغلابة" لن يثوروا في مُقبل الأيام. يُخبئون التوقيت. الناس يكلمون أنفسهم. الوضع يزداد سوءاً، وهناك توابع اقتصادية أكبر. كرة الثلج (قرض الصندوق) تتدّحرج. النّوم في الكسل، يقتل قوى المعارضة، المحسوبة على التيار المدني الواسع. لا بديل أمامها سوى التجمُّع، وتدريب الخيال، لخلق بديل (تنظيم ــ حزب) جماهيري حقيقي، يُبنى من أسفل، من حواري وقرى الغلابة الذين لم يعودوا قادرين على اليأس أكثر مما يئسوا.