دمشق | «جئنا من أجل إبقاء المسيحيين والمسلمين في أرضهم»، عبارة تركت أثرها في نفوس المصلّين، عندما وردت على لسان البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، خلال عظته، في بطريركية دمشق للموارنة. استقبال شعبي لائق حظي به البطريرك الراعي، منذ اجتيازه الحدود اللبنانية، قاصداً العاصمة السورية تلبية لدعوة تلقاها من بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا اليازجي، بهدف عقد قمة روحية مسيحية في دمشق.


استهلّ الراعي وصوله إلى العاصمة بعقد قداس في أبرشية دمشق المارونية، التي استقبلت الضيف الراعي للكنيسة بحفاوة كبيرة. وفي عظته، بدا الراعي أقرب إلى الخطاب الرسمي السوري، من خلال إلقاء اللوم على الدول التي تدعم وتموّل التخريب في سوريا. ورغم تشديد الدولة السورية على إجراءات سلامة البطريرك الماروني، إلا أن الحضور الرسمي السوري غاب عن الاستقبال، بشكل بدا متعمداً، إمعاناً في ترك المجال لضيف دمشق الاجتماع بأبناء رعيته، الذين لم ينقطع عن التواصل معهم طوال سنوات الحرب السورية.
إلا أن هذا الانسحاب الرسمي السوري من المشهد لم يدم طويلاً. فمساء أمس، استقبل الراعي، في دار مطرانية الموارنة، وزير الأوقاف السوري محمد السيد، على رأس وفد من رجال الدين المسلمين. زيارة لا يمكن نزع الطابع السياسي عنها، لأن الزائر عضو في مجلس الوزراء السوري، رغم ما له من صفة دينية.
شعبياً، انتظر المسيحيون بطريركهم قبل القداس بساعات، في البطريركية الواقعة في منطقة باب توما، تحت مرمى قذائف المسلحين المتمركزين خلف خطوط تماس مشتعلة في حي جوبر المجاور، والذي يفصله عن الأحياء الدمشقية مواقع الجيش السوري. مواقف الراعي التي اختصرها خطابه الوعظي، والتي تكونت من خلال تواصله الدائم مع الموارنة السوريين، تركت ملامح الرضى على وجوه المصلين الحاضرين، ولا سيما وسط تأكيده الدائم على تهديد للمسيحيين في سوريا، في ظل اعتبار الدولة السورية ضامناً لهذا الوجود.
«زيارة رعوية... لها بعد سياسي خاص، في ظل ما تحمله من زخم معنوي»، هكذا يصفها المهتمون، إذ إنها تأتي بغرض حضور أول لقاء مسيحي يجمع ممثلي البطريركيات الخمس. وينعقد اللقاء وسط مناخ إعلامي خارجي فرضه معارضون للنظام السوري بأن القمة الروحية المسيحية، وحضورها من قبل البطريرك الماروني، ليس إلا ترويجاً للنظام «باعتباره حامي المسيحيين من فزاعة التكفيريين»، وتلويحاً بـ»الخطر المفترض على مسيحيي الشرق»، والتي يتّبعها المسؤولون السوريون لتخويف الأقليات.
ولعل تهديد الوجود المسيحي هو العنوان الأبرز الذي ستتم مناقشته على لائحة أعمال القمة المسيحية المرتقبة، غير أن الشعور العام أن قضايا كبيرة سيتم بحثها، من دون أي تعويل في إيجاد حلول وإمكان التغيير، ضمن إطار الأوضاع الدولية والسياسية والإقليمية المعقدة.
المعاون البطريركي في بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس المطران لوقا الخوري فتح النار على من حاول إفراغ زيارة البطريرك الماروني لدمشق من محتواها. وخص الخوري في هجومه وسائل إعلام لبنانية اعتبرت الزيارة «رعوية تقتصر على تدشين كنيسة أو مجمع ماروني». ولفت الخوري إلى أن زيارة الراعي لدمشق مقررة منذ مدة طويلة، مؤكداً أن جموعاً كبيرة من المؤمنين كانت لتأتي من جميع البلدان، فيما لو أشيع عن هذه الزيارة مسبقاً.
ومن المقدر أن تبدأ أعمال اللقاء الروحي اليوم في الكنيسة المريمية، وسط العاصمة السورية. كما تتخلل اللقاء زيارتان للمجتمعين إلى الأماكن المقدسة في مدينتي معلولا وصيدنايا في ريف دمشق.