تتوالى منذ مدة تحذيرات سياسيين في الحكم وفي المعارضة من إمكانية اشتعال الأوضاع في تونس، وحدوث موجة احتجاجات كبيرة "قد تأكل الأخضر واليابس". مخاوف هؤلاء هذه ليست مبنية على الفراغ، إنما تستند إلى معطيات ومؤشّرات موضوعيّة. فالأسباب التي أدّت بالشعب التونسي إلى "الثورة" نهاية 2010، لا تزال قائمة، بل إنها تتفاقم.

البطالة والتهميش وغياب التنمية والفساد والاستبداد السياسي والقمع، كلّها عناصر كانت تتفاعل في جسد تونس منذ سنوات، حتّى أنتجت أدوات قاتلة أطاحت النظام وخلعت رأسه (إرهاصات الثورة التونسية بدأت منذ شباط/فبراير 2008، باندلاع احتجاجات منطقة الحوض المنجمي بالوسط التونسي، التي صمدت لثمانية أشهر، وتوالت بعدها الانفجارات في أماكن مختلفة، حتّى كانت احتجاجات أهالي بن قردان الواقعة على الحدود التونسية الليبية، في آب/أغسطس 2010، بسبب محاولة السلطة السيطرة على التجارة البينيّة بين تونس وليبيا أو ما يعرف محلّيا بالتجارة الموازية، مورد الرزق الأوحد لأبناء المنطقة).
اليوم، لم يتحقّق بعد أيّ من "مطالب الثورة" في التشغيل والتنمية والعدالة الاجتماعية، وإن سجّلت جملة من المكاسب السياسية على صعيد الحريات وحقوق الإنسان والتعدّدية السياسية وتحرير المجتمع المدني من سيطرة الحزب الحاكم، وسنّ دستور جديد للدولة، وإنجاز أوّل انتخابات حقيقيّة في تاريخ البلاد الطويل.
وبعد أشهر من تسلّم حكومة يوسف الشاهد لمهماتها، بدا أنها "ألقت بالقبس في كومة التبن" عقب إعلانها عن جملة من الإجراءات التقشّفية كتجميد الزيادات في الأجور، وإيقاف التشغيل في الوظيفة العمومية، والعمل على تسريح الموظّفين. وهي إجراءات اشترطتها اتفاقية القرض الذي تحصّلت عليه تونس من صندوق النقد الدولي. فقد اشترط الصندوق مقابل إقراض تونس 2.9 مليار دولار على أربع سنوات، جملة من الشروط المتعلّقة بـ"الإصلاحات الهيكليّة"، منها إيقاف كتلة الأجور عند المستوى الحرج لـ130 مليون دينار (58 مليون دولار)، في نهاية عام 2017. وجاء ذلك في الوقت الذي اعترفت فيه الحكومة الجديدة بأنّ هذا الحدّ الحرج جرى تجاوزه فعلا، ما يعني ضرورة تسريح آلاف الموظّفين.

بلغ عدد التحرّكات الاحتجاجية في شهر آب فقط 542 تحرّكاً

كما كشف رئيس الحكومة الجديد، في بيان لمناسبة منح حكومته الثقة أمام البرلمان (نهاية آب/اوت الماضي)، أنّ المديونيّة بلغت 62 في المئة من إجمالي الناتج المحلّي الخام، متجاوزة بذلك ما كان متوقّعا لسنة 2016 (56 في المئة). ما يعني أنّ مخاطر إفلاس الدولة حقيقيّة، وأنّ آفاق الاقتراض الخارجي أصبحت مسدودة على نحو شبه تامّ، وخاصّة مع تردّي مؤشّرات التصنيف السيادي لتونس، وارتفاع نسبة المخاطر المالية.
ولم يجد مشروع قانون الموازنة الذي قدّمه مجلس الوزراء قبل أيام دعماً من أيّ من الأحزاب التسعة المشاركة في الحكم. وذلك إلى جانب رفض النقابات له بمختلف ألوانها، التي لوّحت بالعصيان والإضرابات إذا ما جرى تبني مشروع الموازنة، وخاصّة أنّه يتضمّن ضرائب جديدة. وقد رفض المشروع أيضاً الأطبّاء والمحامون من خلال هياكلهم، كما رفضه اتحاد الشغل (أكبر اتحاد نقابي في تونس) واتحاد الصناعة والتجارة (منظّمة الأعراف).

مؤشرات الغليان

وتبدو مؤشّرات احتقان المناخ الاجتماعي وبواكير الحراك الشعبي الواسع واضحة منذ مدّة. وبحسب تقرير الاحتجاجات للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصاديّة والاجتماعية، فإنّ عدد التحرّكات الاحتجاجية بلغت خلال في شهر آب/ الماضي فقط، 542 تحرّكا، 90 في المئة منها تحرّكات جماعية، فيما يشير التقرير إلى نقطة مهمة، وهي أنّ "تردي الأوضاع الاجتماعية (يتنامى) في ظل تخمة إعلامية وخطاب سياسي مفتوح وقدرة على الإدلاء بالرأي والاحتجاج، وتوفر وسائل وآليات فعل جديدة تمكن من بلورة الاحتجاج والارتقاء بممارسته".
وتبيّن خريطة الحركات الاحتجاجية التي أعدّها المنتدى، أنّ الغضب الشعبي يتركّز أكثر في الوسط المنسي الذي اندلعت منه "الثورة التونسية". وتركّزت الاحتجاجات أساسا على الجانب الاجتماعي (23 في المئة). كما بلغت معدّلات الانتحار ومحاولات الانتحار خلال الشهر نفسه، 50 حالة، وهذا ما يعكس الاحتقان الاجتماعي الشديد وحالة اليأس القاتل وانسداد الأفق الذي ينتاب التونسيين.
ولعلّ احتدام هذا الحراك وتفاقمه يعودان بالأساس إلى انسداد الآفاق وانعدام الأمل في إمكانية حلحلة الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتردّي، وخيبة الأمل في وعود الأحزاب الحاكمة، وسوء أداء الحكومات المتعاقبة بعد 2011. فمعدّل النموّ لسنة 2014 لم يسجّل سوى تطوّر بنسبة 0.1 في المئة، وذلك برغم توقّعات تحقيق نسبة 4.5 في المئة (لم يتجاوز في الواقع 2.3 في المئة، متراجعاً عن مستوى 2012 حين بلغ 3.7 في المئة). ولم يسجّل نموّ الناتج المحلّي سنة 2015 سوى تطوّر بنسبة 0.8 في المئة، بسبب الهجمات الإرهابية المتكرّرة على تونس، وتأثيرها في السياحة، التي تعدّ أحد أهمّ الروافد الاقتصاديّة.
وبلغت نسبة البطالة في أوساط الشباب من أصحاب الشهادات العاطلين من العمل مستوى غير مسبوق (الأرقام الرسمية تتحدّث عن 650 ألف عاطل من العمل، من بينهم 250 ألف من أصحاب الشهادات، لكنّ هذه الأرقام لا تأخذ بعين الاعتبار البطالة المقنّعة والتشغيل الهشّ).
وبرغم أنّ البنك الأفريقي للتنمية رجّح في تقرير نشره عام 2014 أن تتراجع نسبة الفقر في تونس إلى نسبة 11.5 في المئة للسنوات الخمس التالية، فإن وزارة الشؤون الاجتماعية كذّبت هذا الرقم بإعلانها أن نسبة الفقر في تونس تجاوزت 24 في المئة لعام 2014 وحده. علماً أنّ هذه الأرقام التي تعود إلى 2014، تضخّمت في العامين الأخيرين، ووصلت إلى درجة أصبح خطر الانفجار معها محدقا (بلغ عدد المؤسسات التي أغلقت أبوابها أخيرا 600 مؤسسة، بحسب وداد بوشمّاوي رئيسة اتحاد الأعراف).

ساحة للحروب السياسية

قبل أسابيع، حذّرت النائب عن "نداء تونس" (الحزب الحاكم)، وفاء مخلوف، من أنّ "الانزلاق السياسي نحو تفكيك جهات الوطن والتهاب حركات الاحتجاج ومحاولة عزل جزر وولايات عن الدولة التونسية، (هو من) أخطر السبل نحو الحرب الأهلية التي لن تبقي شيئا"، رابطة ذلك بتفكّك "نداء تونس" الفائز في الانتخابات الأخيرة، وبعجزه عن الخروج من أزماته الداخلية التي أدّت به إلى الانشطار والتمزّق.
حزب "مشروع تونس" المنشقّ عن "النداء"، يعاني بدوره أعراض التشقق، إذ أعربت مجموعة من قياداته عن غضبها إزاء احتكار منسّقه العام محسن مرزوق، لحجم هائل من الصلاحيات، ما دفع هذا الأخير إلى تجميد عضوية الخارجين عن طاعته.
من جهة أخرى، تشهد "حركة النهضة" (الشريكة الأساس في الحكم)، صراعاً داخلياً لم يعد خافياً، محوره رئيس الحركة، راشد الغنوشي، وصلاحياته التي افتكّها خلال مؤتمر "النهضة" الأخير. وقد أعلن عدد من القادة التاريخيين للحركة ممن يوصفون بالصقور، عصيانهم واستياءهم بسبب احتكار الغنوشي صلاحيات شبه مطلقة.
المجال السياسي في تونس أصبح ساحة حروب معلنة، ما دفع بالكثيرين إلى اعتزال الشأن العام أو اليأس من إمكان إيجاد مخارج سياسية لمشاكل البلاد الاقتصادية والاجتماعية. ومنح هذا الواقع دوراً أكبر للمجتمع المدني بقواه النقابية والمجتمعية، ومكّن مكوناته من أن تقدّم نفسها على أنها صمام الأمان الوحيد القادر على تلافي انحراف مسار الانفجار الاجتماعي المرتقب. وما لم تحدث معجزة سياسيّة، فإنّ الوضع لن يحتمل المزيد من الضغط، وهذا ما بات يدركه الجميع.




الشاهد في فرنسا اليوم: نطلب الدعم

يؤدي رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، اليوم، زيارة الى فرنسا، تتركز على الاقتصاد وجذب المستثمرين والحصول على مزيد من الدعم من باريس. وسيلتقي الشاهد (41 عاماً) نظيره الفرنسي مانويل فالس، والرئيس فرانسوا هولاند.
وفي مقابلة مع «فرانس برس»، قال يوسف الشاهد، أمس، إن زياته لفرنسا «استراتيجية» ولها بعد اقتصادي، لأنها تأتي قبل المؤتمر الدولي للاستثمار الذي تنظمه تونس يومي 29 و30 تشرين الثاني/نوفمبر الحالي. ورأى الشاهد أنه «بعد خمس سنوات على الثورة، نجحنا في الانتقال الديموقراطي... اليوم نواجه تحدياً اقتصادياً مهماً لتعزيز التجربة الديموقراطية التونسية وترسيخ تونس بشكل نهائي في مصاف الدول الديموقراطية». وأضاف «نحن نعوّل بالطبع على فرنسا لمساعدة تونس في... هذا التحول الحاسم».
ورأى الشاهد أن «التحول الديموقراطي كلّف تونس كثيراً»، وأن بلاده «تحتاج اليوم إلى مساعدة ضخمة على المستوى الاقتصادي» «تتلاءم مع اللحظة التاريخية التي نعيشها». وقال أيضاً إنّ «الوضع الأمني في ليبيا كلّف تونس كثيراً، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية»، «لذلك على شريكتنا فرنسا أن تتحمّل، إن استطعت القول بكل ودّ، التكلفة مع تونس».
(أ ف ب)