يبدو أن رئيس إقليم كردستان، المنتهية ولايته، مسعود البرزاني، يصرّ على تحويل مدينة كركوك العراقية الغنية بالنفط، إلى منطقة نقية عرقياً، تهيمن عليها القومية الكردية، حتى إذا اقتضى الأمر تهجير سكانها من "العرب السنة"، وإحراق منازلهم، وتجريف مزارعهم.

ومدينة كركوك هي خامس أكبر مدينة في العراق من حيث عدد السكان البالغ حوالي 900 ألف نسمة، ويقطنها العرب والكرد والتركمان والسريان، وتعدّ إحدى أهم المدن على مستوى حقول النفط. ومنذ الهجوم الذي نفذه تنظيم "داعش" على كركوك، في ٢١ من الشهر الماضي، شنت قوات الأمن التابعة لـ"الحزب الديموقراطي الكردستاني" بزعامة البرزاني، سلسلة عمليات اعتقال وإبعاد قسري ضد نازحين من "العرب السنة" كانوا قد أتوا إلى المدينة بعد سقوط محافظات نينوى وصلاح الدين والانبار، أو حتى من سكان كركوك الأصليين.
وبموجب الاتفاق بين الحزبين الكرديين الرئيسيين، "الاتحاد الوطني الكردستاني" بزعامة الرئيس العراقي السابق جلال الطالباني، و"الديموقراطي" بزعامة البرزاني، فإن كركوك (التي لا تنتمي لحدود إقليم كردستان) هي من حصة حزب الطالباني، إدارياً وأمنيا، إلى جانب السليمانية، فيما يحكم حزب البرزاني كلاً من أربيل ودهوك. وحتى سقوط الموصل على يد تنظيم "داعش" صيف ٢٠١٤، كانت حكومة بغداد المركزية تشارك جزئياً في إدارة أوضاع كركوك، فيما كان الجيش العراقي يتمركز عند مشارفها. ومع سقوط الموصل، هيمنت قوات "البشمركة" التابعة للإقليم على المدينة، واحتكرت القرار الأمني فيها، ولم يعد دخول الجيش العراقي ممكناً إليها، واستولى الإقليم على كامل انتاج كركوك من النفط، وحوّل مسار تصديره ليكون عبر الإقليم إلى تركيا.

وقعت أحدث عمليات تهجير العرب من كركوك وإحراق منازلهم فجر أمس

ومع التحولات الجديدة خلال ٢٠١٤، فتح البرزاني ملف كركوك مع الطالباني، عارضاً خطة إدارة مشتركة للمدينة. وبسبب حال الضعف التي تنتاب حزب الرئيس العراقي السابق، والانقسامات الداخلية في صفوفه، والصراعات المحتدمة بين أجنحته، تمكن البرزاني من بسط نفوذه على معظم مناطق كركوك. وكشف الهجوم الذي نفذه تنظيم "داعش" على كركوك، الشهر الماضي، بالتزامن مع حملة استعادة الموصل، مستوى الأمن الهش في المدينة، إذ سرعان ما سقطت أجزاء منها في أيدي العشرات من عناصر التنظيم. وبموجب آخر اتفاق بين الحزبين الكرديين بشأن إدارة الملف الأمني لكركوك، جرى الاتفاق على تقييد انتشار العناصر الأمنيين التابعين للطرفين، مع تحديد نوعية الأسلحة التي يستخدمها هؤلاء. وتعكس هذه التفاصيل حالة انعدام الثقة بين الأحزاب الكردية.
لكن، لم يجد البرزاني رداً على هجوم "داعش" ربما، أفضل من استهداف عرب كركوك، والعوائل التي نزحت الى المدينة بعد سقوط الموصل وتكريت والرمادي. وبعد وساطات عدة، أوقف حزب البرزاني عمليات التهجير، لكن "بشمركة" الحزب عادت إلى ممارسة هذه الأعمال منذ مطلع الشهر الجاري. وشمل التهجير سكان عشرات القرى ذات الاغلبية العربية، فيما طُلب من النازحين الخروج من المدينة خلال ساعات. وألقيت أمتعة النازحين في الشوارع، وأخرجوا عنوة من منازل استأجروها على نحو قانوني سابقاً.
ووقعت أحدث عمليات تهجير العرب من كركوك واحراق منازلهم، فجر أمس، أي بعد ساعات من زيارة قام بها السياسي "العربي السني"، صالح المطلك، الذي يتزعم "ائتلاف العربية" النيابي ويضم عدداً من ساسة كركوك، إلى البرزاني في اربيل، حيث حصل منه على وعد بوقف اي عمليات استهداف ضد عرب كركوك. ومن بين البنود التي اتفق عليها البرزاني والمطلك، إقرار "القيادات العربية السنية بأن ما حدث من استهداف لعرب كركوك هو تصرفات فردية"، في مقابل "وقف عمليات التهديم والترحيل فوراً، وعودة القرى المرحلة وفق ما تقرره لجنة مشتركة تؤلف لهذا الغرض".
ووفق مصدر سياسي رفيع، فإن المطلك حصل من البرزاني (الذي كان بدوره قد التقى قبل ذلك رئيس الوزراء حيدر العبادي) على وعد بأن "تسلم جميع المستمسكات العائدة للنازحين المحجوزة في دوائر الأسايش (قوات الامن الكردية) عن طريق اللجنة وعن طريق رؤساء العشائر في المنطقة"، وهو ما يؤكد احتجاز متعلقات النازحين الى كركوك لدى حزب البرزاني.
وفجر أمس، أي بعد اقل من ٢٤ ساعة على لقاء المطلك والبرزاني، استيقظ سكان قرية قوشقاية، الغنية بحقول النفط، وتسكنها أغلبية عربية، على وقع مطالبة قوة كردية إياهم بمغادرة منازلهم، قبل أن تشرع القوة في إحراقها. وقال سكان من القرية لـ"الأخبار" إنّ عضو المكتب السياسي لـ"الحزب الديموقراطي الكردستاني"، كمال كركوكلي، هو الذي أشرف على العملية. وأضاف هؤلاء أن سكان القرية البالغ عددهم نحو ٦٠٠ شخص، ويقطنون في نحو ١٦٥ منزلاً، يملكون نحو ٥ آلاف دونم من الأراضي الزراعية المحيطة بالقرية.
وتقول آلاء الطالباني، من حزب "الاتحاد الوطني الكردستاني"، إنّ القوات العسكرية التابعة لحزب البرزاني هي المسؤولة عن عمليات تهجير العرب من كركوك. وتضيف أنّ "مقررات اجتماع اربيل بين البرزاني والمطلك تؤكد هذا"، لكنها تعبر عن استغرابها من وقوع التجاوزات ضد عرب كركوك، بعد يوم واحد من لقاء المطلك بالبرزاني! وأمس، أصدر "ائتلاف العربية"، الذي يتزعمه المطلك، بياناً استغرب فيه تجدد عمليات تهجير العرب من كركوك. وجاء في البيان أنه "في الوقت الذي استبشر فيه عرب كركوك بلقاء ائتلاف العربية بالسيد مسعود البرزاني، الذي كان لقاء إيجابيا وقدم رؤية وحلولا حول الكثير من الإشكاليات، فوجئنا بإقدام البشمركة التابعة للحزب الديموقراطي على إحراق قرية قوشقاية في كركوك وإخراج أهلها منها". وأضاف البيان، أنّ "تنفيذ البيشمركة عملية إحراق قرى ومناطق في كركوك وتهجير أهلها منها يعدّ خرقا للمواثيق والعهود التي جرى الاتفاق عليها ومؤشرا خطيرا على التغيير الديموغرافي، وضربا لمبدأ التعايش السلمي الذي نص عليه الدستور". وتابع، "بناء على ما تقدّم، فإننا ندعو رئيس اقليم كردستان مسعود البرزاني الى الايفاء بالوعود التي جرى الاتفاق عليها خلال زيارتنا الاخيرة".