يُمكنك الآن أن ترى قوات مكافحة الشغب، وتسمع "سرينة" مدرعات الشرطة والآليات الأمنيّة المصريّة، إذا كنت تمر في شوارع رئيسيّة أو ميدان، في القاهرة والجيزة والإسكندريّة. في بقية المحافظات، صدرت التعليمات، أمس الثلاثاء، من وزير الداخلية اللواء مجدي عبد الغفار، إلى كافة اللواءات، مديري الأمن في مختلف أنحاء الجمهورية، بالحضور الشخصي في الشوارع، للإشراف على خطة تأمين البلاد قبيل تظاهرات اجتماعيّة، مُفترضة، بعد غدٍ الجمعة (ثورة الغلابة)، احتجاجاً على جنون تكاليف المعيشة، وقرار الحكومة تعويم الجنيه، ورفع أسعار الوقود.

السلطة قلقة بالفعل من تحول الدعوات الإلكترونيّة إلى واقع في الشوارع. المصادر التي تحدثت للـ"الأخبار" قالت إن وزارة الداخليّة تستهدف غلق كل مداخل القاهرة واستحداث تحويلات مرورية، لتقليل حركة السير داخل العاصمة المصريّة، يوم 11 تشرين الثاني/نوفمبر، وتوسيع دائرة الاشتباه لمنع أي تجمُّع، حتى لو كان صغيراً، وهو ما بدأ بالفعل، إذ فضّت الشرطة، ليل أول من أمس، تظاهرة عفويّة في ميدان رمسيس (وسط القاهرة) ضمّت نحو مئة شخص، هتفوا ضد السلطة الحاكمة، واعتقلت حوالى 15 شخصاً، لا تُعرف أماكن احتجازهم حتى الآن. وبالقرب من ميدان الجيزة، تظاهر حوالى مئتي شخص، واعتُقل اثنان من المتظاهرين. وفي جنوب مصر، اعتُقل عشرة أشخاص، في مدينة قوص، بتهمة تزعّمهم تظاهرة "تخريبيّة"، وانتمائهم إلى جماعة الإخوان "المحظورة".
قصر الاتحاديّة يتابع الموقف. الرئيس عبد الفتاح السيسي اجتمع قبل يومين مع وزير الدفاع الفريق صدقي صبحي، وزير الداخلية، ومديري المخابرات العامة، والحربيّة، ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة، ودعاهم إلى "ضرورة استمرار العمل بأقصى درجات الحذر واليقظة والاستعداد القتالي، بما يضمن الحفاظ على أمن الوطن وسلامة المواطنين"، طبقاً لبيان وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسميّة.
الحكومة، من ناحيتها، تحاول امتصاص غضب الناس بتطمينات ورديّة. وزّعت بياناً على وسائل الإعلام المحليّة، قالت فيه إنه لا رفع في أسعار الخدمات الأساسيّة، قاصدة تذاكر القطارات، وأتوبيسات النقل العام، والأتوبيسات السياحيّة، ونفت إصدار قرار برفع الدعم عن الخبز أو تحريك أسعار الدواء. البرلمان كلّف لجنة القوى العاملة فيه باستدعاء غادة والي، وزيرة التضامن الاجتماعي، لسماع إفادتها في مشروع "تكافل وكرامة". وسائل الإعلام تنفخ في مشروع مختبئ في أدراج "والي"، وتقول إن الحكومة ستوفّر مئة ألف فرصة عمل للشباب بحلول أول كانون الثاني/يناير المقبل.
وحتى كتابة هذه السطور، لم تنجح الشرطة المصريّة في القبض على مؤسّس صفحة على "فايسبوك" تدعو المصريين إلى "الانتحار الجماعي" في نفس يوم تظاهرات 11 تشرين الثاني/نوفمبر المُرتقبة. الدعوة تبدو ساخرة، و"هذا هو الوقت المناسب للانتحار بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها مصر؛ اختيار طريقة الانتحار المناسبة متاح لكل شخص، وسيكون هناك منظّمون في هذا اليوم لمساعدة الشباب في اختيار طريقة الانتحار التي تناسبهم".
الفكرة لم تعد غريبة على المجتمع المصري، فقد شهدنا خلال السنوات الخمس الأخيرة حالات انتحار فرديّة، على لوحات إعلانات الطرق السريعة، وبالكونات العمارات، بسبب سوء الأحوال المعيشيّة. أكثر من ثمانية آلاف شخص انضموا، حتّى كتابة هذه السطور، إلى الدعوة.
مؤسّس الصفحة، الذي تبحث عنه الشرطة، يخاطب من يتهكّمون عليه، من الشباب، ويقول "افتكر كل الأزمات، والغلاء، وقلة الفلوس، والجنيه، والبنزين، وتذكرة المترو، وخليهم حافز ليك على الانتحار، ولو دول مش كفاية؛ افتكر إن البسكوت بقى بجنيه ونص، ومبقاش فيه أكياس كشري بجنيه... افتكر يا أخي إنك في مصر... والله الموفق".
عدد من البلاغات تلقّاها النائب العام من محامين، للقبض على مؤسس الصفحة الفايسبوكيّة، وقد وجهت إليه البلاغات تهم "نشر أخبار وأفكار تضرّ بالأمن القومي، وتكدّر السلم الأهلي، وتروّج التشاؤم في المجتمع، بهدف زعزعة الاستقرار الوطني والأمني".
على ناحية الضغوط الخارجية، قالت مصادر للـ"الأخبار" إن حالة التوتر بين مصر والسعوديّة سترتفع أكثر، بعد قرار وليّ وليّ عهد السعوديّة، محمد بن سلمان، ورئيس شركة "أرامكو"، وقف تصدير شحنات البترول إلى مصر. التصريحات الرسميّة التي صدرت عن مسؤولين في القاهرة، حول قدرة مصر على توفير بدائل بتروليّة من الإمارات أو إيران، تأتي في إطار حالة من التراشق الإعلامي بين القاهرة والرياض.
"سوريا هي القصة الأساسية في الخناقة بين مصر والسعوديّة، وليست قصة تيران وصنافير. الدولة المصريّة تؤمن بأن سقوط دمشق هو مقدمة لسقوط القاهرة. الجيش الأول في سوريا، والجيش الثاني والثالث في مصر. الرياض تتعامل باستخفاف مع رؤية مصر تجاه وحدة الشعب اليمني والسوري، وهذا لا يمكن السكوت عنه. مصر دولة أكبر، ولا يمكنها أخذ مواقف وسط في قضايا تمسّ أمنها القومي". عبارات قالها مصدر رفيع داخل الحكومة، طلب عدم ذكر اسمه.
كلمات تعبّر عن توجه جديد في التعامل مع الرياض، وجد صداه مع اتهام الإعلامي خالد صلاح، المقرّب جداً من الرئاسة، في برنامجه "هوى مصر" على فضائية النهار المصريّة، قبل يومين، العائلة المالكة السعوديّة بأنها تتعامل بأسلوب "المعيلة"، مع مصر، بعد قرار "أرامكو"... "الثقافة بتفرق يا جماعة، صحيح المصريين فقراء بس متعلمين، وبنعبّر عن الأخلاق، وبنعبّر عن دولة وحضارة. مصر دولة ومحترمة وراقية وبتحكّم ضميرها وبتحترم اتفاقيات دولية وشعب كبير، مش شوية قبائل متجمعين بالفلوس".