لم يكن تأكيد رئيس حكومة العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أمام نظيره الروسي ديمتري ميدفيديف، أن إسرائيل ستبذل كل جهودها لمنع إيران من تعزيز وجودها العسكري في سوريا، ودعم الفصائل التي تدعم الدولة السورية ومواصلة تسليح حزب الله، تأكيداً عرضياً، بل أتى على خلفية إدراكه مفاعيل السياسة الروسية، وأثرها في تعزيز أطراف محور المقاومة.

هذا الواقع الإشكالي أدى إلى نوع من التجاذب بين الطرفين، الروسي والإسرائيلي، باتجاهين مختلفين؛ من جهة تحرص تل أبيب وموسكو على تمتين العلاقات بينهما، كلٌّ لأسبابه، ومن جهة أخرى، تنتمي إسرائيل إلى المعسكر الغربي الإقليمي الذي يدعم الجماعات المسلحة، التي تهاجمها الطائرات الروسية والسورية، فيما تدعم روسيا الدولة السورية والرئيس بشار الأسد مع حلفائه، في المعركة ضد هذه الجماعات.
رغم إدراك قيادة البلدين هذا التموضع المتقابل في الساحتين السورية والإقليمية، فإنه لم يؤثر في مساعي كل منهما لاستمرار التواصل والتنسيق، بل في تعزيز العلاقات الثنائية على مختلف الصعد. ويعود ذلك إلى اقتناع كل منهما بوجود مصالح مشتركة، وإمكانية التنسيق بما يحول دون التصادم المباشر، رغم التباين في الرؤية والموقف إزاء الساحة السورية.
في غضون ذلك، من المؤكد أن ظلال انتخاب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ستكون حاضرة في خلفيات القيادة في كل من تل أبيب وموسكو. بالنسبة إلى الإسرائيلي، من أهم أسباب اضطراره إلى التكيّف مع الواقع الروسي في سوريا، بكل ما يترتب عليه من مفاعيل تضرّ الأمن القومي الإسرائيلي، أن تل أبيب ترى أن الولايات المتحدة هي التي تتحمّل المسؤولية عن هذا الواقع، كونها اعتمدت سياسة الانكفاء عن التدخل العسكري المباشر لحسم المعركة في سوريا، وهو ما رأت فيه سبباً لتعزيز موقع أطراف محور المقاومة في الساحتين في المعادلتين السورية والإقليمية.

استغل نتنياهو زيارة ميدفيديف لكي يوجّه أكثر من رسالة

وما دام الغموض يلف التوجهات الخارجية للرئيس الأميركي الجديد، ستبقى إسرائيل، كما بقية الدول، في حالة انتظار وترقب، على أن تبني خياراتها السياسية والعملانية وفق الإيقاع الأميركي إزاء سوريا والمنطقة، وينسحب هذا التقويم أيضاً على الموقف الإسرائيلي إزاء السياسات الروسية وخيارات موسكو في الساحة السورية.
استغل نتنياهو لقاءه مع نظيره الروسي، الذي وصل إلى تل أبيب في زيارة تستمر ثلاثة أيام، ثم ينتقل إلى رام الله، كي يوجه أكثر من رسالة، حرص في الأولى منها على أن يركز على ما يراه توجهات وقواسم مشتركة في الموقف مع موسكو وواشنطن ودول كثيرة أخرى، وذلك على مستوى الأهداف في مواجهة «الإرهاب» الذي يريد «إعادتنا إلى العالم القديم والعصور الوسطى والمظلمة والقاتلة»، وفق نتنياهو، الذي واصل حشر إسرائيل في جهود مكافحة الإرهاب الذي يمارسه تنظيم «داعش».
في الرسالة الثانية، حرص نتنياهو على إظهار الموقف الإسرائيلي الذي يتعارض مع الموقف الروسي، قائلاً إنه «بنفس المقدار هناك خشية من الجهة الأخرى التي تقود الإسلام المتطرف، وهي إيران التي ترفع راية إزالة إسرائيل من الوجود»، مؤكداً في المقابل أن إسرائيل مصمّمة على مهمتين: «الأولى، منع إيران من امتلاك الأسلحة النووية، والثانية منع إيران، مهما كانت الأوضاع في سوريا، سواء تم التوصل إلى تسوية أم لا، من تعزيز حضورها العسكري هناك براً وجواً وبحراً... نحن مصمّمون أيضاً على منعها من تعزيز الميليشيات الشيعية التي تقوم بتنظيمها على الأراضي السورية، وبالطبع أيضاً، منعها من تسليح حزب الله بأسلحة خطيرة توجه ضدنا».
أما ميدفيديف، فقال: «في كل مرة أزور فيها إسرائيل أشعر أنني في البيت. ويتشارك الشعبان قيماً مميزة. وتقف أمام دولتينا تحديات مشتركة، هي الإرهاب ونزع السلاح النووي. وإسرائيل هي الشريك الأكبر في المنطقة من الناحية الاقتصادية. ومن أجل هذه الأمور التقينا ووقّعنا على هذه الاتفاقات». هنا، أعرب نتنياهو عن شكره لميدفيديف على خلفية استعداده لتقديم المساعدة في استعادة «جثتي هدار غولدين وأورون شاؤول»، اللذين تم أسرهما خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة «الجرف الصامد»، إضافة إلى «ثلاثة مواطنين إسرائيليين محتجزين في غزة».
كذلك وقّع الجانبان الإسرائيلي والروسي على أربعة اتفاقات تعاون في مجالات: الزراعة والجمارك و«الهايتك» والبناء والإسكان.
ونقل موقع صحيفة «معاريف» عن نائب رئيس «لجنة الأمن والدفاع» التابعة للبرلمان الروسي، فرانتس كلينتسيفيتش، قوله، في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا»، إنه لا يوجد أي سبب لإسرائيل للقلق من الوجود العسكري المتزايد، البحري أو البري، في منطقة البحر المتوسط وعلى الأراضي السورية، وإن العلاقات المشتركة هي «أهم بكثير من ناحيتنا، ونحن لن نسمح بوقوع أي حادثة».
ولفتت «معاريف» إلى أنهم يخشون جداً في إسرائيل من نصب روسيا في الأشهر الأخيرة منظومات دفاع جوي «أس 300» و«أس 400» على الأراضي السورية، وأيضاً إرسال سفن حربية كثيرة إلى الشرق الأوسط، من بينها حاملة الطائرات «الأدميرال كوزنتشوف».
في المقابل، رأى سفير إسرائيل السابق في روسيا، تسفي مغين، أنه ما لم يُزوّد حزب الله أو النظام السوري بالأسلحة المتطورة، فالوجود الروسي في المنطقة لا يعتبر في إسرائيل تهديداً، بل سبباً للقلق فقط. وأضاف: «إذا تطور في نهاية الأمر إلى تزويد هذه الجهات بالسلاح، حينئذ سيؤدي إلى تغيير في الميزان الاستراتيجي في المنطقة، والوجود الروسي بالتأكيد سيشكل تهديداً على إسرائيل».