عودة العمليات الروسية عبر الأجواء السورية لا تشكّل مفاجأة لأحد. التحضيرات اللوجستية المتواصلة منذ أسابيع، والمتزامنة مع استكمال موسكو بناء مشروعية دولية لتدخّلها في الحرب، أنتجت الصور المرسلة أمس للطائرات الحربية المقلعة من حاملة الطائرات «الأميرال كوزنيتسوف» وإطلاق صواريخ «كاليبر»، وصواريخ «باستيون» من البرّ.

هذه الظروف تناسبت مع المعطى الميداني في حلب، الذي أثمر فشلاً ذريعاً للمجموعات المسلحة في تحقيق أي خرق باتجاه المدينة. هذه النتيجة فاجأت جهات عدة عوّلت على غرق الجيش السوري في وحول حلب، لكن بعد سبع مراحل من «ملحمة حلب الكبرى» (31 تموز) وصولاً إلى «غزوة أبو عمر سراقب» (28 تشرين الأول)، ظلّت خطوط التماس هي ذاتها من دون مشاركة سلاح الجو الروسي.

ستخسر إدلب موقعها كجبهة إمداد ومكان مثاليّ لغرف العمليات

المفاجئ اليوم هو في أن لا تنطلق عمليات واسعة للجيش السوري وحلفائه تحت مظلة روسية؛ فموسكو استنفدت الخيارات «السلمية» التي كان لها أهدافها الدولية والاقليمية، ووصلت إلى لحظة مناسبة لتعزيز قدرات دمشق الهجومية.
في 28 تشرين الأول الماضي، مثلاً، أعلنت الرئاسة الروسية أنّ بوتين رفض طلب الجيش استئناف الغارات على حلب «لإعطاء الولايات المتحدة وقتاً لفصل الجماعات الإرهابية عن المعارضة المعتدلة»، كذلك رأى بوتين أن «استئناف القصف الجوي على حلب غير مفيد الآن».
هذا التمهيد السياسي وإرسال الإشارات إلى الخصم والصديق بأن الكرملن يتعامل بهدوء مع التوازنات الدولية ويعطي كل اتفاقية الوقت الكافي قبل إعلان موتها، أفضيا إلى نجاح موسكو إلى حدّ ما في تقديم المسلحين كمسؤولين عن فشل الخيار السلمي، وإلى الاستنتاج الملموس أنّ واشنطن لن تقدم على أي خطوة في سبيل فصل «الارهابيين عن المعتدلين». وجاءت المبادرة الروسية أيضاً بعد فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية، وهذه النتيجة لا تساعد الإدارة الحالية للمبادرة نحو خيارات عملانية، فهي مقيّدة ويتقلّص هامشها أمام هامش يتّسع لدمشق وحلفائها.
رغم ذلك، سيكون للقرار الروسي وقعه المختلف على الميدان. فالضربات الكثيفة أمس في أرياف إدلب ستساهم في حال تواصلها في إخراج هذه المنطقة من كونها جبهة إمداد ومكان مثالي لغرف العمليات والمصانع والمستودعات تعزز جبهة حلب الوحيدة والمحورية، إلى كتلة أهداف تحت النار تحتاج إلى من يدعمها. وكذلك الأمر ينسحب على أي بقعة سيستهدفها القصف الجوي.
إذاً، جاءت غارات وصواريخ أمس فاتحة لـ«بدء عملية واسعة النطاق في محافظتي إدلب وحمص ضد مواقع ومنشآت للجماعات الإرهابية»، حسب وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو. وأمام الرئيس بوتين، في خلال اجتماع مع ممثلين عن وزارة الدفاع والصناعات الدفاعية، لفت إلى أنّ «الأهداف الرئيسية التي يتم ضربها هي مخازن ذخيرة وأماكن تمركز ومعسكرات تدريب، ومصانع لإنتاج أنواع مختلفة من أسلحة الدمار الشامل».
وهذه البنى التحتية للفصائل المسلحة هي أهداف قائمة بذاتها «قام العسكريون الروس بعمل استطلاعي من أجل تحديد إحداثيات الأهداف»، لكنّ هناك أهدافاً أخرى ستتبيّن مع الأيام ومع ارتفاع وتيرة القصف، تتّصل بتمهيد لعمل بري في الفترة المقبلة.
فللعودة الروسية، على هذا النحو، مفاعيل ميدانية مرتقبة عبر توسيع الجبهات، فما يجري ليس مجرد ضربات عسكرية تطلّبها معطى ميداني حالي.
وفي هذا السياق، أكد المتحدث باسم الكرملن ديميتري بيسكوف، أنّ «دراسة إمكانية توسيع العملية لتشمل مدينة حلب مستمرة».

مأزق المسلحين

في الضفة الأخرى، يقع «جيش الفتح» وإخوته من مختلف التنظيمات في مأزق فعلي، بعدما خسروا معظم خياراتهم الميدانية الهجومية، وهم الآن يتجهون إلى مرحلة الدفاع. كذلك فإنّ الاندفاعة الروسية الجوية المختلفة، تُسهم في تيئيس الجماعات المسلحة في أحياء حلب الشرقية، وتصبّ في خدمة الطوق المحكم عليهم.
مآل العمليات الروسية سيكشف عن قراءة جديدة للواقع الإقليمي والدولي، وما تم انتظاره خلال الأسابيع الماضية جرت الموافقة عليه وستتظهّر مفاعيله الميدانية تباعاً على جبهات تضع «فك الحصار» عن حلب خارج الحسابات، وتُعيدنا إلى شباط 2016 حين توقفت الاندفاعة الكبيرة للجيش السوري وحلفائه في ريف حلب الجنوبي بسبب اتفاق الهدنة الشهير.





جبهة «الباب»

رغم فصل جبهة حلب المدينة وريفيها الغربي والجنوبي المتصل بإدلب عن الريفين الشمالي والشرقي حيث تشكّل السيطرة على مدينة الباب مفتاحاً محورياً في المنطقة، تلعب موسكو دوراً محورياً في هذه الجبهة أيضاً. فبعد وصول قوات «درع الفرات» المدعومة تركياً، منذ ثلاثة أيام، إلى حدود المدينة من جهة الشمال ليفصلها كيلومتران عنها، توقفت هذه القوات عند هذا الحدّ. ورغم أنّ «الباب» تشكّل أول معركة فعلية لحلفاء أنقرة بعد تمدّد سهل في عشرات القرى، يبقى دخول المدينة مرتبطاً أيضاً بالجانب الروسي. وتشير المعلومات إلى أنّ أنقرة لن تقدم على أي خطوة في هذا المجال من دون موافقة موسكو، إذ تُعتبر أيّ سيطرة لـ«درع الفرات» على الباب نتيجة لقبول روسي بذلك، وهو حتى الآن لم يحصل، في ظلّ تعزيزات كبيرة للجيش السوري في المنطقة.
ويعمل اللاعب الروسي على خلق أرضية تلاقٍ سياسية للجانبين السوري والتركي في المنطقة تحت سقف حفظ أهداف الطرفين وأولوياتهما. ومن المقرر أن يقوم رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم بزيارة رسمية إلى موسكو، مطلع الشهر المقبل، يلتقي خلالها نظيره ديمتري ميدفيدف.




غليان في الأحياء الشرقية

غليان كبير تشهده أحياء حلب الشرقية، ظهرت ملامحه أمس في تظاهرة لعشرات المدنيين في حي بستان القصر، طالبت «المجلس المحلي» المعارض بتوزيع المواد الغذائية المكدسة في المستودعات. وحاول المتظاهرون اقتحام بعض المخازن التي يحميها المسلحون الذين أطلقوا الرصاص لتفريق المدنيين، واعتقلوا عدداً منهم. الانتشار المسلح الكبير تخوفاً من «تمرد شعبي» بفعل شبح الجوع يساهم في الدفع باتجاه تحريك مسار التسويات وإخراج المدنيين نحو الأحياء الغربية، ويضع المسلحين المترنحين أمام خيارات بائسة بعد تبخّر حلم كسر الحصار من خارج المدينة.