شهدت الضفة الغربية المحتلة، في الفترة الماضية، ارتفاعاً في عدد عمليات الدهم وإطلاق النار ضد من تسميهم السلطة "المطلوبين"، في مناطق متفرقة من الضفة. أعنف هذه الاعتقالات والمداهمات حدث في المدينة القديمة في نابلس شمال الضفة. المطلوبون لأجهزة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ليسوا تجار مخدرات أو عصابات إجرامية، فأغلبهم كانوا يأتمرون بأمره ولكنهم خرجوا عن طاعته؛ بعضهم التحق بمعارضه المفصول من حركة فتح محمد دحلان، والبعض الآخر رفض تسليم سلاحه للسلطة وفضّل البقاء في منزله.

هذه الاشتباكات أدت إلى إراقة الدم الفلسطيني، وإلى مقتل عدد من عناصر الشرطة و"مطلوبين"، إضافة إلى مقتل وإصابة من لا علاقة لهم بشيء، أي المدنيين الآمنين في بيوتهم. وأدّت اشتباكات بين شبان والأجهزة الأمنية الفلسطينية، أمس، إلى وفاة هيلدا الأسطة (39 عاماً)، وإصابة ثلاثة من عناصر الأمن الفلسطيني، وكأنه لا يكفي الفلسطينيين في الضفة بطش جيش الاحتلال الإسرائيلي وقمع شرطة العدو لهم، حتى يضطروا إلى عيش العذاب نفسه، ولكن هذه المرة على أيدي إخوتهم من عناصر الشرطة الفلسطينية.
وقال محافظ نابلس أكرم الرجوب، في تصريح صحافي، إن "الاشتباكات وقعت بعد تعرض مبنى المحافظة لإطلاق نار من قبل مسلحين". ووفق المعلومات من البلدة القديمة في نابلس، فإنه عقب اندلاع الاشتباكات خرجت مسيرة شعبية، وهي عادة موجودة أيضاً في مخيمات لبنان، إذ ينزل سكان المخيم بعد أي اشتباك للفصل بين المتقاتلين، فأطلقت الأجهزة الأمنية الفلسطينية النار عليها وقتلتها.
وفي حديث إلى "الأخبار"، قال حاتم رزق، المطلوب لأجهزة السلطة والعدو، إنه "منذ تولّي أكرم الرجوب منصبه كمحافظ في نابلس، والأجهزة الأمنية الفلسطينية تطاردنا وتحاول قمعنا، من دون معرفة سبب واضح ومفهوم لذلك".
وأضاف الشاب الثلاثيني "أنا طالب في جامعة القدس المفتوحة، حاصرت الأجهزة الأمنية الفلسطينية الجامعة ودهمتها لإلقاء القبض عليّ، لكنني تمكنت من الهرب". رزق ليس من أنصار دحلان، ويتمنى لو أنه كان كذلك "فربما كان قد احترمنا الرجل"، كما قال. التهمة التي قد تُلصق بأي معارض لعباس، ليست السبب الرئيسي لتجعل الشاب مطلوباً. كل ما في الأمر أنه "صديق مقرّب من أحد الأشخاص المطلوبين للسلطة الفلسطينية". ويسعى حالياً رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى إقصاء منافسيه في حركة فتح قبل انعقاد المؤتمر السابع في ٢٩ الجاري، مستغلاً الأجهزة الأمنية التي يتحكم فيها.
يعيش حاتم رزق في مخيم بلاطة ولا يخرج منه، إذ تحاصر شرطة عباس المخيم في انتظار خروج المطلوبين منه، وأخوه "معتقل لدى السلطة لأنني مطلوب لديهم، والآخر أسير عند الإسرائيليين لأنني مطلوب لديهم"، كما قال لـ"الأخبار". يرفض رزق تسليم نفسه للسلطة بسبب معرفته بعمليات التعذيب التي يتعرض لها المعتقلون في سجون عباس: "في أريحا، يضعون المعتقلين في خزانات الثياب، ويضربونهم ويهينون كرامتهم، وأعرف بأنني لن أحاكم كمدني، لأنهم يتحكمون في القضاء". لن يسلّم رزق، وهو أسير سابق اعتقل لمدة ٧ سنوات في سجون الاحتلال، نفسه للسلطة الفلسطينية، ويفضّل أن يبقى مطارداً على أن يعتقل في سجن أريحا.
في شهر آب الماضي، كشفت القناة الثانية العبرية عن عملية خاصة نفذتها "الكتيبة ١٠١" المعروفة بقوة التدخل السريع التابعة للحرس الرئاسي، في بلدة عناتا، وهي منطقة خارج سيطرة السلطة الفلسطينية شرقي القدس المحتلة، لإلقاء القبض على مطلوبين هربوا الى البلدة. وقالت القناة إن عناصر الكتيبة طاردوا المطلوبين في مناطق يحظر عليهم دخولها إلا بتنسيق مسبق مع قوات الاحتلال، فلاحقتهم "إلى القدس واعتقلتهم وعادت بهم إلى رام الله". وأكدت القناة أن حكومة الاحتلال الإسرائيلي نفت نفياً قاطعاً أن يكون الأمن الفلسطيني قد نسّق دخوله إلى تلك المناطق. حينذاك قال أحد المتحدثين باسم حكومة الاحتلال للقناة، إنّ قوات الاحتلال فوجئت بالكتيبة تدخل القدس وكان أفرادها يلبسون الزي العسكري ويحملون السلاح، واعتقلوا المتهمين وعادوا أدراجهم، وهو الأمر الذي لم يحدث منذ عشرين عاماً. هذه الحادثة تؤكد أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يملك الإمكانات والقدرة، والشبان المستعدين للتضحية بأنفسهم، إذا قرر مواجهة العدو الاسرائيلي والقيام بشيء لم يفعله منذ عشرين عاماً، لكن بالتأكيد صاحب مقولة "التنسيق الأمني مقدّس" لن يتجرّأ على فعل ذلك.