لم تكد تمضي أربع ساعات على بث الحوار المصوّر الذي أدلى به زياد تقي الدين لصحيفة "ميديابارت" الإلكترونية، أول من أمس، حتى كان تاجر السلاح الفرنسي ــ اللبناني، يقف مجدداً أمام قاضي التحقيق سيرج تورين، الذي يشرف على التحقيقات الجارية منذ نيسان 2013، بخصوص الاشتباه بتلقي الرئيس السابق نيكولا ساركوزي تمويلاً غير شرعي من قبل معمر القذافي، خلال الحملة الانتخابية التي أوصلته الى الإليزيه عام 2007.

سبق للقاضي تورين أن استجوب زياد تقي الدين، مرات عدة. فالتحقيق الذي يديره القاضي بخصوص التمويل الليبي لساركوزي فُتح، في الأصل، إثر تصريحات أطلقها تقي الدين في برنامج تلفزيوني فرنسي، في بداية عام 2013، أكد فيها الشكوك التي كانت تلاحق ساركوزي بخصوص تلقيه تمويلات سرية من القذافي. تحدث تقي الدين آنذاك عن "وثائق ومستندات تتعلق بتحويلات مصرفية وشركات متورطة في تمويل حملة ساركوزي الانتخابية من قبل السلطات الليبية". وقال إن "المبالغ ضخمة، وتفوق 400 مليون دولار".

عوامل عدة جعلت القضاء يأخذ تصريحات تقي الدين على محمل الجد

عوامل عدة جعلت القضاء يأخذ تصريحات تقي الدين على محمل الجد، ويسارع إلى فتح تحقيق قضائي حول هذه القضية، التي كانت محل جدل إعلامي منذ أشهر عدة. فتاجر السلاح اللبناني كان قد سبق أن حضر أمام القضاء الفرنسي في فضيحة أخرى تعرف باسم "قضية كاراتشي"، وتتعلق بعمولات سرية مرتبطة بصفقات أسلحة للسعودية وباكستان، يُشتبه في أن جزءا منها استُعمل سرا لتمويل حملة رئاسية أخرى، وهي حملة إدوار بالادور الرئاسية في عام 1995 (في مواجهة جاك شيراك). وكانت اعترافات زياد تقي الدين في تلك القضية مدوية، إذ كشف للمحققين أنه سلم حقيبة مالية تحتوي على 6 ملايين فرنك فرنسي، عام 1994، الى تيري جوبير، مدير ديوان ساركوزي في وزارة المالية آنذاك، بهدف تمويل ترشيح إداوار بالادور للرئاسة.
من جهة أخرى، أعادت الاتهامات التي وجهها تقي الدين إلى ساركوزي، في كانون الثاني 2013، إلى أذهان القضاة واقعة كان لا يزال الغموض يحيط بخلفياتها وملابساتها، تتعلق بتوقيف تقي الدين في مطار لوبورجيه في 5 آذار 2011، بينما كان عائداً من ليبيا على متن طائرة خاصة، وضبط حقيبة مالية كانت بحوزته تضم 1.5 مليون يورو. ورفض تقي الدين وقتها الكشف عن أي معلومات حول مصدرها أو وجهتها، ما أدى الى احتجازها من قبل القضاء، ووضعه تحت المراقبة القضائية بتهمة تبييض الأموال.
حين استدعى القاضي سيرج تورين، زياد تقي الدين، في نيسان 2013 بهدف استجوابه، كان يأمل أن يكشف المزيد عن "واقعة لوبورجيه" وعن التحويلات المصرفية التي تحدث عنها بخصوص تمويل حملة ساركوزي من قبل الليبيين، لكن تاجر السلاح اللبناني لم يقدّم للقاضي أي وثائق أو مستندات مصرفية، كما أن تصريحاته اتسمت بالكثير من التناقض. فبعدما تحدث عن تمويل يفوق 400 مليون دولار، عاد وقال إنّ الأمر يتعلق بـ27 مليونا لا غير. كما أنه أكد، في البداية، معلومات كانت قد وردت في وثيقة نشرتها "ميديابارت" في أيلول 2012، نقلاً عن الدبلوماسي الليبي السابق بشير صالح، وأشارت إلى أن التمويلات التي تلقاها ساركوزي من القذافي بلغت 50 مليون يورو، لكن تقي الدين لم يلبث أن تراجع، وقال للقاضي إن "ميديابارت تُمارس التلفيق والتزوير"، وإنها "صحيفة متخصصة في الكذب". وهو التصريح الذي وزّع محامي ساركوزي، أول من أمس، صورة عن محضره على وسائل الإعلام، للتدليل على تناقض تصريحات تقي الدين وافتقادها الصدقية.
لكن ما الذي يجعل زياد تقي الدين يغيّر رأيه فجأة في "ميديابارت"، ويخصها بتصريح هو الأخطر من نوعه، ويكشف تفاصيل قيامه شخصيا بنقل حقائب مالية ليبية وتسليمها إلى ساركوزي ومدير ديوانه في وزارة الداخلية، كلود غيون (الأخبار ــ عدد الثلاثاء)؟
الجواب جاء من صحيفة "لوموند"، التي كشفت ظهر أمس، أن اعترافات تقي الدين المصوّرة جاءت إثر إبلاغه (من قبل "ميديابارت"؟) بأن قاضي التحقيق قرر أن يضم رسمياً إلى ملفات التحقيق حول التمويلات الليبية لساركوزي وثيقة جديدة نشرتها "ميديابارت"، يوم 7 تشرين الثاني الجاري، تتعلق بمحضر استجواب سري أجرته محكمة الجنايات الدولية مع مدير استخبارات القذافي، عبدالله السنوسي، المسجون حالياً في طرابلس، قال فيه إنه أشرف شخصيا على تسليم حقائب مالية، عامي 2006 و2007، لتمويل حملة ساركوزي الانتخابية، وتولى نقلها إلى فرنسا وسيط اسمه زياد تقي الدين.