تنقسم القوات الأجنبيّة الموجودة في مناطق سيطرة الأكراد شمال سوريا إلى صنفين، أوّلهما: قوات رسميّة ما بين قوّات مهمات خاصّة وعناصر استخبارات، أمّا القسم الثاني فيضمّ مقاتلين «متطوّعين» غير منضمّين إلى السلك العسكري رسميّاً. وتتوزّع القوات المذكورة في المنطقة الممتدّة ما بين منبج (ريف حلب الشرقي) والمالكيّة (ريف الحسكة الشمالي الشرقي). فيما تنفرد منطقة عفرين (ريف حلب الشمالي) بكونها المنطقة الوحيدة الخالية من القوات الأجنبية من بين مناطق نفوذ «قسد».


القوات الخاصة

الأميركيّون: العديد الأكبر بين القوّات الأجنبيّة الخاصّة هو عديد الجنود الأميركيين الذين يتوزّعون على قواعد عسكريّة أميركيّة عددُها سبعٌ (حتّى الآن). القاعدة الأولى في مطار رميلان شرق مدينة القامشلي، حيث أشرف الأميركيّون على زيادة الطاقة الاستيعابية للمطار بما يؤهّله لاستقبال عدد أكبر من طائرات الهيليكوبتر الأميركية. أُنشئت القاعدة الثانية غرب القامشلي، وتحديداً في قرية المبروكة وفيها حوالى مئة عنصر من القوّات الأميركيّة الخاصّة. تتوضّع القاعدة الثالثة في قرية تل بيدر (تقع ضمن منطقة أثريّة في الريف الشمالي للحسكة) وهي بلدة حدوديّة فيها مدرج لهبوط المروحيات العسكريّة. استخدمت المنطقة لتدريب مقاتلين أكراد من المنضمّين الجدد إلى صفوف «ypg»، كما لتدريب عناصر تمّ رفد «الأسايش» بهم. وتؤكّد مصادر محليّة أنّ القاعدة تشهد أعمال توسيعٍ بشكل مستمر. تستقبل القاعدة الرابعة العدد الأكبر من الجنود الأميركيين (قرابة 400 من القوّات الخاصّة) ومقرّها مدينة عين عيسى (ريف الرقّة الشمالي). في منطقة الجلبية (بين عين عيسى، وعين العرب) اتّخذت القاعدة الأميركيّة الخامسة من منشآت معمل إسمنت «لافارج» الفرنسي مقرّاً لها، وتشهد القاعدة أعمال توسيع بغية إنشاء مراكز تدريب ومهابط حوّامات. القاعدة السادسة تتمركز في مدينة تل أبيض (أقصى ريف الرقة الشمالي) وفيها حوالى مئتي جندي أميركي. أمّا القاعدة السابعة فأقيمت في مدينة عين العرب (كوباني) في ريف حلب الشمالي الشرقي وفيها ثلاثمئة جندي أميركي على الأقل.

الفرنسيّون

في حزيران الماضي أقرّت الحكومة الفرنسيّة بوجود جنود فرنسيين في مناطق سيطرة الأكراد في سوريا. وبالتزامن مع «معركة تحرير منبج» تناقلت وسائل إعلام فرنسيّة مصادر عسكريّة فرنسيّة حديثها عن انّ «قوّات خاصّة فرنسيّة موجودة في سوريا لتقديم المشورة لقوات سوريا الديمقراطية في معاركها ضد جماعة «الدولة الإسلامية» في منبج، بالقرب من الحدود التركية». المصادر نقلت عن وزير الدفاع جان إيف لودريان «تلميحه إلى وجود تلك العناصر بالفعل». اللافت أنّ مصادر في وزارة الدفاع الفرنسيّة أكّدت أنّ إرسال قوّات خاصّة إلى سوريا لا يرتبط بوجود «جهاديين» فرنسيين في صفوف «داعش»، وتقول المصادر «كنا سنذهب حتى لو لم يكن هناك ناطقون بالفرنسية». يصعُب تقدير عدد العناصر الفرنسيّين، ومن المرجّح أنّهم دون المئة عنصر، من بينهم خبراء واستشاريّون عسكريّون علاوةً على عناصر من «المديرية العامة للأمن الخارجي/ DGSE». ووفقاً لوسائل الاعلام الفرنسيّة فإنّ «المهمات التي تقوم بها القوات الخاصة تبقى بعيدةً عن أعين الإعلام، ومنها البحث والاستخبارات، وإطلاق الرهائن». ومن المرّجح أن الفرنسيين شرعوا فعلاً في بناء قاعدة لهم على هضبة «مشتى نور» المطلّة على عين العرب (كوباني).

بريطانيّون وألمان

خلافاً للأميركيين والفرنسيين يُعد عديد العناصر البريطانيين والألمان منخفضاً، وتؤكّد معلومات «الأخبار» أنّ فريقاً من الخبراء الاستشاريين البريطانيين مكوّناً من تسعة أفراد قد دأب على تقديم «استشارات عسكريّة ولوجستيّة لقوّات سوريا الديمقراطيّة متنقّلاً باستمرار بين مناطق سيطرتها». في المقابل، تبقى حقيقة وجود قوات ألمانية خاصّة في مناطق سيطرة «قسد» أمراً مبهماً. وكانت الخارجية السوريّة قد دانت منتصف حزيران الماضي «وجود قوات فرنسية وألمانية خاصة» في مناطق سيطرة «قسد»، ووصفته بأنّه «عدوان صريح وغير مبرّر ضدّ سيادة واستقلال سوريا». فيما سارعت برلين إلى تكذيب تلك المعلومات، وأكّدت أنّ «هذا الاتهام باطل».


«المتطوّعون»

مئات من «المتطوّعين» الأجانب موجودون في مناطق سيطرة «قسد»، وبشكل خاص في مدينة منبج (ريف حلب الشمالي الشرقي). ينتظمُ هؤلاء في تجمّع أطلق عليه اسم «الكتيبة الدوليّة للحريّة»، وتضمّ في صفوفها مقاتلين من جنسيّات شتّى: بريطانية، فرنسيّة، أميركيّة، كنديّة، أستراليّة، ومن بينهم عدد محدود من الديانة اليهودية. لكنّ معظم المعلومات المتوافرة تشير إلى أنّ عناصر هذه «الكتيبة» يساريّو الميول، وتستهويهم فكرة «النضال» بوصفها «قضيّة انسانيّة». تضم «الكتيبة» عدداً من «الألوية» أبرزُها «لواء بوب كرو» البريطاني، و«لواء هنري كرازوكي» الفرنسي.
ــ «لواء بوب كرو»: توافق «المتطوّعون» البريطانيّون على تسمية مجموعتهم «لواء بوب كرو» نسبة إلى زعيم نقابي شغل منصب الأمين العام للاتحاد الوطني لعمال سكك الحديد والملاحة البحرية والنقل في المملكة المتحدة RMT حتى عام 2002 (توفي في آذار 2014). يمثّل البريطانيوّن العمود الفقري لهذا «اللواء» ويضمّ إضافة إليهم مقاتلين متطّوعين من جنسيات أخرى عدّة من بينها: الكنديّة، والإيرلنديّة، والأميركيّة. وبرغم أنّ المقاتلين البريطانيين قد وفدوا تباعاً إلى سوريا (أفراداً في معظم الأحيان، ومجموعاتٍ صغيرةً تتكوّن من ثلاثة أشخاص في أحيان أخرى) غير أن مصادر خاصّة تؤكّد لـ«الأخبار» أنّ «معظم المتطوعين وصلوا بعد إنجاز كلّ الترتيبات اللوجستيّة عن بُعد، وكانوا يعلمون تماماً أنّهم آتون للانضمام إلى هذه المجموعة». ليس جميع مقاتلي «بوب كرو» من أصحاب الخبرات القتاليّة السابقة، وقد أُنشئ مُعسكرٌ خاصّ لهم في مناطق سيطرة «قوات سوريا الديمقراطيّة» في عين العرب (كوباني، ريف حلب الشّمالي) حيث خضعوا لتدريبات مكثّفة بدءاً من أواخر شباط الماضي. وتؤكّد مصادر كرديّة لـ«الأخبار» أنّ «الإشراف على تدريبهم كان مهمّة مقاتلينا فقط»، فيما يؤكّد مصدر آخر أنّ «استشاريين عسكريين أميركيين وبريطانيين قد زاروا المخيّم مرّة واحدةً على الأقل». يُعرّف المقاتلون عن أنفسهم بأنّهم «متطوّعون اشتراكيّون، قرّروا لانضمام إلى حركات التّحرر العالمية، جاؤوا (إلى سوريا) لمحاربة الفاشية ونصر الاشتراكية وثورة كردستان». ويؤكّد هؤلاء أنّهم «يكرّسون جهودهم لمحاربة (داعش)، ومستعدّون للموت في هذه المعركة». أوّل مشاركة قتاليّة فعليّة لـ«بوب كرو» كانت في آب الماضي خلال معركة «تحرير منبج» (انضمّوا إلى الحملة في أواخرها، وكانت المعركة قد امتدّت بين شهري حزيران وآب). يتمركز «لواء بوب كرو» حاليّاً في مدينة منبج الخاضعة لسيطرة «قسد» وكان مقاتلوه قد استعدّوا للمشاركة في معركة الباب قبل أن تبلغ الولايات المتحدة قيادة «قسد» أنّ «التحالف» لن يدعم تلك المعركة. يحرص معظم المقاتلين على عدم الكشف عن أسمائهم، ويعزون ذلك إلى مخاوف من إجراءات قد تتخّذها بحقهم الحكومة البريطانيّة «التي قد تجد تهديداً في الاشتراكية كما في (داعش)». وتنقل صحيفة «إندبندنت» البريطانيّة عن أحد المحاربين القدماء في الجيش الأميركي قوله إنّه «أراد الانضمام إلى وحدات الحماية لكنه اكتشف أنهم حفنة من الحمر اللعينين». كما تنقل الصحيفة عن أحد مقاتلي اللواء قوله «بعض الأصدقاء عرضوا علينا بدائل للعودة لكن هذه البدائل لا تقدم سوى تشتيت عن فكرة أن المجتمع لا يحتاجنا حتى كعمالة رخيصة». وأشار إلى أن قوات الحماية الشعبية توفر الأسلحة والأزياء العسكرية والغذاء والإقامة، لكنها لا تدفع لهم مرتبات. كما أن المقاتلين يسافرون على نفقتهم إلى سوريا.

ــ «لواء هنري كرازوكي»: على خُطى أقرانهم البريطانيين، قرّر المتطوعون الفرنسيّون تسمية مجموعتهم تيمّناً بزعيم نقابي فرنسي هو هنري كرازوكي، وهو واحد من أهم الشخصيات النقابية في القرن العشرين في فرنسا: مقاوم شيوعي خلال الحرب العالمية الثانية، عضو في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفرنسي منذ عام 1956، ثم شغل منصب الأمين العام للاتحاد العام للعمال CGT بين عامي 1982 و1992. وتشير معلومات «الأخبار» إلى أن «هنري كرازوكي» يضمّ في صفوفه علاوةً على الفرنسيّين عدداً من الكنديين، وعدداً من الأفارقة من جنسيات مختلفة. يؤكّد مقاتلو «كرازوكي» أنّهم «يقاتلون من أجل الشعب السوري المغلوب على أمره والمظلوم من قبل الأنظمة الديكتاتورية ومن قبل الجهاديين الفاشيين»، كما يشدّدون على أنّهم يقاتلون «إلى جانب الشعب الكردي من أجل حريته واستقلاله، ومن أجل هزم تنظيم داعش الإرهابي». شارك «اللواء» في معارك منبج، ويتمركز فيها في الوقت الحالي جنباً إلى جنب مع بقية تشكيلات ««الكتيبة الدوليّة للحريّة» التي يعود إلى وجودها بعض الفضل في اطمئنان «قسد» إلى أنّ القوات التركية الغازية تحت لواء «درع الفرات» لن تهاجم منبج.




مركز «ثقافي» فرنسي

يسعى عدد من الشخصيّات الفرنسيّة إلى الترويج لمشروع إنشاء مركز ثقافي فرنسي في «كوردستان السوريّة». ومن بين تلك الشخصيّات وزير الخارجيّة الأسبق برنار كوشنير، والكاتب والصحافي باتريس فرانشيسكي مؤلف كتاب «الموت من أجل كوباني» الصادر عام 2015. الأخير اشتهر بنشاطه في عدد من بؤر الحروب في العالم، مثل الصومال، والبوسنة والهرسك، علاوة على حضوره الدائم في مناطق سيطرة الأكراد في سوريا منذ عام 2013. يؤكد فرانشيسكي في مقابلة أجرتها معه صحيفة «لو فيغارو» ونُشرت في آب الماضي أنّ الأكراد متحمسّون لفكرة إنشاء «مركز ثقافي فرنسي» في مناطق سيطرتهم يكون «أداة قتال فكريّة» ويساهم في «مساعدة شعب كوردستان سوريا على تعلم الفرنسيّة، وتنوير أفكار الشباب، وخلق روابط بين الفرنسيين والأكراد». يؤكد فرانشيسكي أيضاً أنّ «فرنسا تحظى بشعبيّة في المجتمع الكردي»، وأنّ الأكراد يعلمون أنّ «الانتداب الفرنسي على سوريا (1920 – 1946) ساهم في حمايتهم من العرب». ويشدّد أصحاب فكرة المشروع على ضرورة وضعه موضع التنفيذ سريعاً، وقبل انتهاء الحرب لأنّ «الحرب الفكريّة لا ينبغي أن تؤجّل، بل أن تتزامن مع الحرب، لمواجهة الدعاية الفكرية الهائلة لدى تنظيم (داعش)».