لم يجد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مفراً من الدفاع عن نفسه في مواجهة الحملات التي يتعرض لها، على خلفية صفقة «الغواصات الألمانية». واختار نتنياهو جلستي وزراء حزب «الليكود» والحكومة لتوجيه رسالة يؤكد فيها أن المداولات التي رافقت المفاوضات من أجل إبرام صفقة الغواصات مع الشركة الألمانية كانت موثقة بالمستندات والبروتوكولات.

لكن ما عزَّز شبهة الفساد التي تستند إلى وقائع فعلية، اجتماع عدة عناصر. الأول، أن محامي رئيس الحكومة ديفيد شيمرون، هو نفسه مندوب الشركة الالمانية الضالعة في صفقة الغواصات، والثاني أن الأجهزة الأمنية ووزير الأمن في حينه موشيه يعلون، قد عارضا الصفقة، كما لفتت تقارير إعلامية إسرائيلية.

ادّعى نتنياهو أنه لم يعرف بأن محاميه يعمل في الشركة الألمانية

مع ذلك، تتداخل المطالبة بفتح تحقيق جنائي حول الصفقة مع أبعاد أخرى تتصل بالخلفيات السياسية لبعض الهجمات التي يتعرض لها نتنياهو من قبل سياسيين ووسائل إعلام. ولا يلغي البعدان القضائي والسياسي البعد الاستراتيجي للصفقة، كونها تأتي ترجمة لخيار إسرائيلي بتعزيز سلاح البحرية عامة، والغواصات خاصة.
ويؤكد حجم الحملة الاعلامية والسياسية على نتنياهو أنها تأتي امتداداً لصراعات سياسية داخلية، من دون أن ينفي أو يؤكد الشبهة التي تحوم حوله. من جهة، تتساءل وسائل إعلام، مشككة، عن مقولة أن رئيس الحكومة لم يكن يعرف بأن محاميه المرافق له يمثل حوض بناء السفن الألماني، حين دفعه إلى شراء ثلاث غواصات بتكلفة مليارات الشواكل، خلافاً لتوصيات المؤسسة الأمنية ورأيها!
في المقابل، تخوض وسائل إعلام مؤيدة لنتنياهو معركة الدفاع عنه، وعلى رأسها صحيفة «إسرائيل اليوم» التي رأت أن الملف برمته ليس سوى محاولة أخرى من قبل اليسار ووسائل الاعلام للإيقاع بنتنياهو وإسقاطه.
المشهد نفسه ينسحب على المستوى السياسي الذي انقسم أيضاً بين خصوم نتنياهو الذين رأوا في الحدث مناسبة للانقضاض عليه والتصويب على مؤهلاته كرئيس حكومة مؤتمن على الامن القومي الاسرائيلي، في مقابل شخصيات تصدّت للدفاع عنه.
كما هو متوقع، وجد رئيس المعارضة يتسحاق هرتسوغ في قضية الغواصات مناسبة لتسجيل النقاط على نتنياهو، عبر الدعوة إلى تشكيل لجنة تحقيق برلمانية، مستعيناً بمعارضة يعلون للصفقة، والذي كان يتولى حينذاك وزارة الأمن.
في السياق نفسه، كان لرئيس الحكومة الأسبق إيهود باراك موقفه، وهو بات يكثر من توجيه الانتقادات لنتنياهو، فعلّق بأن «الغواصات حيوية، لكن ثقة الجمهور أكثر حيوية. هناك الكثير من علامات الاستفهام». الى ذلك، دعا رئيس حزب «يوجد مستقبل» المعارض، يئير لبيد، الى فتح تحقيق جنائي في الموضوع، متسائلاً لماذا استأجر الألمان خدمات شمرون؟ لأنه الشخص الأقرب الى رئيس الحكومة. أضاف لبيد «فاوضنا الألمان، والألمان يعرفون بأن محامي رئيس الحكومة يعمل عندهم، ونحن لا نعرف».
في المقابل، تصدّر الدفاع عن نتنياهو، عضو المجلس الوزاري المصغر الوزير يوآف غلانط، الذي أكد أنه لم يسمع عن معارضة يعلون لشراء الغواصات، مشيراً الى أنه «من الواضح أن هناك حاجة للغواصات. إنها بوليصة التأمين للدولة». وشدد على كذب مقولة أن المؤسسة الامنية لم تكن تريد الغواصات. والأمر نفسه أكده رئيس لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست آفي ديختر، الذي قال إن «اللجنة فحصت صفقة الغواصات مع كل الجهات المهنية ذات الشأن، والتي كان لها دور في اتخاذ القرار في هذا الموضوع خلال السنوات الأخيرة». ووصف من يشكّكون في معايير رئيس الحكومة بأنهم «في الواقع يشكّكون في معايير الجيش ويظلمون قيادته». وكان لافتاً دفاع خصم نتنياهو، رئيس «البيت اليهودي» نفتالي بينيت، الذي أكد أن «رئيس الحكومة ليس فاسداً، وهو أبداً لن يبيع أمن إسرائيل مقابل المال، رغم أن لدينا وجهات نظر مختلفة».
وكانت الحكومة قد وقّعت في السر على مذكرة تفاهم لشراء ثلاث غواصات «دولفين» مع حوض بناء الغواصات الألماني «تيسينكروب»، بعدما كانت إسرائيل قد اشترت ست غواصات من الطراز نفسه، قبل عدة سنوات، وتسلمت خمس غواصات من تلك الصفقة، وهي بانتظار تسلم الغواصة السادسة.
مع ذلك، فإن قراراً بمستوى شراء ثلاث غواصات يأتي جزءاً من خطة بناء قوة تعمل عليها إسرائيل، في مواجهة تهديدات ترى أنها تستهدف أمنها القومي على المديات القريبة والمتوسطة والبعيدة. ولخصوصية سلاح الغواصات، من الواضح أنه يستهدف تطوير قدرات بحرية، بهدف امتلاك هامش مناورة استراتيجي في مقابل إيران، بمعنى نقل القدرة العسكرية الإسرائيلية إلى أقرب نقطة ممكنة لتوجيه ضربات ابتدائية أو ردّية، وفي الوقت نفسه، تأمين خيار «الضربة الثانية» لمهمة الردع في مواجهة إيران، ودفعها إلى الامتناع عن إصابة إسرائيل بـ«سلاح دمار شامل».