لم يكن ينقص الأرض السورية المنكوبة سوى ترافق هبوب الرياح الشرقية مع اندلاع عدد من الحرائق في مناطق حرجية متفرّقة في ريف اللاذقية. اجتماع ما سبق، أتاح لنيران تلك الحرائق التهام مساحات شاسعة من الغابات الحرجية إلى جانب الأراض المحاذية المزروعة بأغلبها بأشجار الزيتون. الحرائق المستعصية على الإخماد استدعت استنفاراً حكومياً لمساندة كفاح فرق الإطفاء والأهالي في وجه النيران، إذ زار وزيرا الداخلية والزراعة مناطق الحرائق، وتابعا سير عمليات الإطفاء.
تدخّلت 3 سيارات إطفاء روسية من قاعدة حميميم لمؤازرة فرق الإطفاء السورية

الحرائق لم تندلع بفعل «الطبيعة»، إذ تُوجّه أصابع الاتهام في الشارع إلى أصحاب المفاحم أو إلى المستفيدين من حرق تلك المساحات الحرجية، لتحويلها إلى أراض مزروعة. وخلال الأيام الماضيين، انتشرت الحرائق في قرى الخشخاشة وديروتان والأريزة والميسة، كما توسعت النيران في قرى دباش وكفرز وبيت سوهين والمعلقة، وآخرها حرائق جبل العرين والأربعين وأرض الكتف، المشتعلة حتى اللحظة. وساهمت الرياح الشرقية التي وصلت سرعتها إلى 50 كيلومتراً في الساعة، في انتشار النيران وزيادة المساحات المتضررة ليصل إجمالي المساحة المحروقة إلى 130 هكتاراً من الغابات وأشجار الزيتون، وفق محافظ اللاذقية ابراهيم السالم. الرقم الذي ذكره السالم بدا مفجعاً بالنسبة لأهالي المدينة وريفها، ولا سيما أنه قابل للارتفاع. وتكشف الأرقام أن الأشجار الحرجية شغلت 60% من المساحات المحترقة.
ولفت محافظ اللاذقية إلى أنّ 90 سيارة إطفاء من اللاذقية وحمص وطرطوس وحماه ومصفاة بانياس، ساهمت في إطفاء الحريق. كذلك تدخّلت 3 سيارات إطفاء روسية مع طواقمها من كادر قاعدة حميميم، لمؤازرة فرق الإطفاء السورية، منعاً لامتداد الحرائق بشكل أكبر.
كذلك، لم تشارك المروحيات في مناطق جبل العرين رغم تعذّر وصول سيارات الإطفاء إلى تلك المناطق سريعاً، بسبب وعورة الطرق في المنطقة، وفق مصادر من المنطقة.
وبذل كادر مركز الإطفاء في اللاذقية جهوداً كبيرة في مقاومة تقدم النيران، غير أن النقص العددي أثّر سلباً على عمليات الإخماد. ويعد نقص الكوادر في المركز مشكلة قديمة لطالما ناشد إطفائيو المركز المعنيين حلّها، ليتناسب العدد مع ازدياد الحرائق خلال سنوات الحرب المترافقة مع معارك عنيفة شهدتها غابات اللاذقية، في الريفين الشمالي والشرقي. وأوضح مصدر في فوج الإطفاء أن عدد الموظفين المناوبين يومياً هو 9 إطفائيين فقط، مضيفاً أن «ازدياد عدد الحرائق اضطر إلى استدعاء طاقمين من الإطفاء، ضمن فوج لا تضم فرقه أكثر من 40 شخصاً، جرى توزيعهم على 12 حريقاً، في اليوم الأول، و14 حريقاً في اليوم الثاني».
وحول عدم مشاركة المروحيات في أعمال الإطفاء، يجيب المصدر أن استئجار مديرية الزراعة للمروحيات من وزارة الدفاع لقاء مبلغ معين، كان أسلوباً متبعاً حتى نشوب الحرب السورية، موضحاً أنه «منذ بدء الحرب لم يتدخل الطيران في أعمال الإطفاء، وهو أمر مبرر لأولويات عسكرية واضحة». وحول وجود نقاط مراقبة لدى مصلحة الحراج، مزودةً بمناظير ليلية، للتبليغ عن أي بوادر لحدوث حريق، يقول المصدر: «إن هذه الظاهرة ما عادت موجودة». ويوضح أن عناصر الإطفاء عاشوا أياماً عصيبة في السابق، بلا نوم أو راحة، حتى إن بعضهم وقعوا في حصار النار، في قرية يرتي ضمن منطقة المعصرة، قبل أن يأتيهم الدعم عبر آلية وصهريج مياه، ليتمكنوا لاحقاً من السيطرة على الوضع.
ومن اللافت أن الحرائق لم تسفر عن وقوع إصابات بشرية، على الرغم من فداحة الخسائر الزراعية والحرجية، إذ جرى إجلاء أهالي قرى كفرز والمعلقة والقلمون وباقيلون، منعاً لوقوع ضحايا. وذلك بالتزامن مع اندلاع حرائق حرف المسيترة، في ريف جبلة، وأُخرى نشبت عند سد بللوران في ريف اللاذقية الشمالي، أتت على مساحات هائلة من الأراضي الغنية بأشجار الصنوبر.