في ظل غياب المساعدات الإنسانية والإغاثية للمنظمات الدولية، وفي مقدمها تلك التابعة للأمم المتحدة في اليمن، يتهدد الجوع حياة عشرات الآلاف من الأسر اليمنية في العاصمة صنعاء والمحافظات الشمالية والجنوبية معاً.

وفيما اتسع نطاق مظاهر المجاعة في المناطق الشمالية، ليمتد من مديريات محافظات الحديدة إلى مديريات محافظة إب والمديريات الحدودية مع السعودية في محافظتي صعدة وحجة، تعيش آلاف الأسر في عدن وعدد من المحافظات الجنوبية الخاضعة لحكومة الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي أوضاعاً إنسانية صعبة، بعدما تنصلت الحكومة من صرف مرتبات موظفي الدولة في تلك المحافظات، متراجعة عن وعود سابقة. وفيما استبعد محافظ البنك المركزي المعين من قبل هادي، منصر القعيطي، الذي عاد الى عدن أخيراً، صرف المرتبات قبل أقل من شهرين، تمكنت «أنصار الله» من صرف نصف راتب وفق الموارد المتاحة للآلاف من موظفي الدولة مدنيين وعسكريين في محافظتي شبوة وعدن خلال الأيام القليلة الماضية، وهو ما أثار غضب المواطنين في عدن الذين اتهموا حكومة هادي بمصادرة مرتباتهم وتركهم عرضة للجوع والعوز.

غادرت حكومة هادي عدن بعدما صادرت 20 مليون دولار قدمها «التحالف»

حكومة هادي التي غادرت أواخر الشهر الماضي عدن بصورة عاجلة بعدما صادرت 20 مليون دولار قدمها «التحالف» كإعانة مالية لتخفيف معاناة المتقاعدين المنتظرين أمام مكاتب البريد في عدن منذ أشهر، عادت أخيراً إلى محافظة مأرب الخاضعة لسيطرة حزب «الإصلاح» للتفاوض حول توريد عائدات الغاز والنفط المقدرة بـ 300 مليون ريال يومياً إلى البنك المركزي في عدن مقابل تخصيص 20% من عائدات النفط والغاز للمحافظة، إلا أن مصادر محلية أفادت «الأخبار» عن رفض سلطات «الإصلاح» الحاكمة لمأرب مطالب رئيس الحكومة أحمد بن دغر بتمويل مرتبات موظفي الدولة من عائدات النفط والغاز التي تتجاوز الـ 250 مليار ريال والموجودة في فرع البنك في المحافظة باعتبارها خاصة بالمحافظة والمجهود الحربي.
ومع استمرار أزمة السيولة المالية في صنعاء وعدن، وغياب أي حلول لقضية البنك المركزي، أكد مصدر محلي أن آلاف الأسر تعيش تحت وطأة الجوع مفتقرة الى أدنى متطلبات الحياة في معظم مديريات محافظة الحديدة. ولفت المصدر في حديثه إلى «الأخبار» إلى أن معظم السكان الذين وقعوا تحت تأثيرات الجوع من الفقراء والمعدمين وينحدرون إلى ريف تهامة ويعتمدون على مصادر دخل غير ثابتة، ومعظمهم يعمل في الصيد التقليدي والزراعة، إلا أن استهداف «التحالف» للصيادين وقواربهم وأسواق صيد الأسماك في سواحل الحديدة، أدى إلى فقدان الآلاف مصادر عيشهم ونزوحهم من قراهم الأصلية إلى قرى البكير والبقعة والمغرس والسويق في مديرية التحيتا هرباً من الموت. ولفت المصدر إلى أن المئات من الأسر في وادي مور أكبر أودية محافظة الحديدة التي تساهم في 37% من الإنتاج المحلي الزراعي لا تستطيع توفير أدنى متطلبات البقاء من الغذاء بسبب توقف أعمالها في المزارع جراء أزمة المشتقات النفطية الناتجة من الحصار وتعرض تلك المزارع للاستهداف المباشر من قبل طيران «التحالف».
في السياق نفسه، أكدت السلطات المحلية في مديرية فرع العدين الواقعة في الجهة الجنوبية الغربية من محافظة إب والبالغ عدد سكانها 120549 نسمة، تصاعد مظاهر الجوع وسوء التغذية الحاد في المديرية. وأوضحت السلطة المحلية في المحافظة أن مناطق المسيلة والعاقبة العليا والسفلى والوزيرة والأهمول والتي تضم 36 تجمعاً سكانياً تعيش أوضاعاً إنسانية في غاية الصعوبة وهي بأمسّ الحاجة الى المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة. وأوضح مصدر طبي في المديرية أن هناك ما يقرب من 2750 ما بين طفل وامرأة حامل ومرضع وصلت بهم الحال إلى مستويات حرجة من سوء التغذية الحاد والوخيم، ما يتطلب تدخلات إغاثية عاجلة. وأعادت المصادر أسباب تفشي المجاعة وتصاعد ضحايا سوء التغذية من الأطفال إلى اتساع نطاق الفقر والبطالة في أوساط السكان نتيجة فقدان الآلاف من أبناء المديرية فرص أعمالهم جراء الحرب والحصار، بالإضافة إلى تصاعد أعداد النازحين من القادمين من المدن الى المديرية النائية.
وفيما جرى الإعلان عن اكتشاف حالات مصابة بالجوع في بعض قرى الضالع المتاخمة لمحافظة إب، أكد مصدر طبي في المستشفى الجمهوري في صعدة استقبال حالات مصابة بسوء التغذية الحاد، مشيراً إلى أن معظم تلك الحالات تنحدر إلى المناطق الحدودية المتاخمة للأراضي السعودية والتي تواجه عقاباً جماعياً من قبل «التحالف» الذي يتعمد منع وصول المساعدات وإمدادات الغذاء. ونظراً لوصول الآلاف من المواطنين إلى حالة العجز الكامل عن توفير الغذاء الأساسي لأطفالهم، ارتفعت ظاهرة الإغماء في أوساط طلاب المدارس الابتدائية في العاصمة صنعاء بسبب الجوع، وهو ما كشف عن وجود الآلاف من الأسر تموت ببطء بصورة جماعية من دون أن تمد يدها لطلب المساعدة.