استطاع رئيس وزراء العدو الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، التغطية على سوء أداء الأجهزة الأمنية والعملانية في إيجاد الشهيد نشأت ملحم، منفذ عملية تل أبيب، بدءا من لحظة التخطيط للعملية مرورا بتنفيذها وصولا إلى نجاح ملحم في الانسحاب والاختفاء لعدة أيام، بصورة جزئية، في ظل بقاء أسئلة أمنية كثيرة من دون أجوبة قاطعة وواضحة. وعلى خط مواز، اختار نتنياهو هذه الفرصة لتوجيه رسالة رادعة إلى الجمهور الفلسطيني في الداخل المحتل، ووضعهم أمام معادلة ابتزاز واضحة المعالم: تحسين واقعهم الاجتماعي والاقتصادي مقابل انسلاخهم عن قضايا الشعب الفلسطيني، الذين هم جزء لا يتجزأ منه.
لا تقتصر سياسة الرسائل الساعية إلى تعزيز قدرة الردع الإسرائيلية على حزب الله وفصائل المقاومة في قطاع غزة والضفة المحتلة، بل تشمل الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال في أراضي الـ48. ولكن بحكم أن هؤلاء يخضعون للسلطة والقانون الإسرائيليين، فإن بعض الأدوات والأساليب قد تختلف طبيعتها، ومع ذلك فهي تندرج تماما ضمن مفهوم الردع القائم على أساس العقاب المدروس والهادف.
وظهرت معالم رسالة الردع الإسرائيلية في المواقف التي توالى نتنياهو على إطلاقها في عدد من المناسبات، وآخرها في أعقاب تنفيذ عملية تل أبيب وصولا إلى جلسة الحكومة يوم أمس، التي صاغ فيها نتنياهو رسالته التحذيرية وفق عبارات مغلفة بتطبيق القانون. أولا هو اشترط لتنفيذ مخطط تقليص الفجوات الكبيرة القائمة بين الوسط العربي والجمهور اليهودي ما سماه «تطبيق قوانين دولة إسرائيل في الوسط العربي»، قائلا إن هذين المخططين «مندمجان ببعضهما بعضا».
وكان نتنياهو قد أوضح بعد عملية تل أبيب الأخيرة أنه «لا يستطيع قبول دولتين في إسرائيل، دولة القانون لأغلبية المواطنين، ودولة داخل دولة لجزء من مواطنيها. في هذا الجيب (الدولة الجزء) لا يفرض القانون ويوجد فيه تحريض إسلامي وأسلحة...»، مشيرا إلى أن من «يريد أن يكون إسرائيلياً ينبغي أن يكون إسرائيليا حتى النهاية».

النجاح الأمني كان يمكن أن يسجل باعتقال ملحم لا قتله

وبرغم أنه تحدث بلغة «تطبيق القانون» وهو مفهوم واسع، فإنه يشمل أيضا من منظور إسرائيلي المشاركة في تنفيذ العمليات، خاصة أنه أتى تعقيبا على عملية تل أبيب. وهكذا يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي قد وضع الفلسطينيين في الداخل أمام المعادلة التالية: تحسين الواقع الاجتماعي والاقتصادي عبر ما سماه «استثمار أموال طائلة في الوسط العربي والخطة غير المسبوقة التي أقرتها الحكومة قبل 10 أيام»، مقابل تنفيذ القانون الإسرائيلي وأن يكونوا إسرائيليين «حتى النهاية». والتفسير العملي لهذا القانون، يعني بوضوح: الانصياع للخطاب السياسي الإسرائيلي، أو سياسة الحرمان والعقاب مقابل أي تفاعل إيجابي مع القضايا الفلسطينية.
أما على مستوى الاحتفال بتصفية ملحم، فيبدو أن نتنياهو حرص على تظهير جانب «الإنجاز» الذي سجلته الأجهزة الأمنية والعملانية لإسرائيل، متجاوزا حقيقة ما انطوت عليه هذه القضية من أبعاد تعكس إخفاق هذه الأجهزة. أولى معالم هذا الإخفاق تمثل في نجاح ملحم في التخطيط وتنفيذ العملية، برغم أنه كان معتقلا على «خلفيات أمنية» مع ما يفترضه ذلك من أن يكون ضمن دائرة المتابعة الاستخبارية في هذه المرحلة الحساسة التي يمر بها الداخل الإسرائيلي على المستوى الأمني.
أيضا، لم تنجح الأجهزة الإسرائيلية في الحؤول دون تنفيذ العملية في المكان الأكثر تأثيرا في الواقع الإسرائيلي، تل أبيب، ومع أنها نجحت في العثور على ملحم وقتله، وهو مصير كثيرين من منفذي العمليات في الداخل، فإن النجاح الأبرز كان يمكن تسجيله لو أنه اعتقل حيا، وهو أمر عادة ما يكون مطلباً أمنياً لانتزاع معلومات وإجابات عن أسئلة كثيرة بقيت دون إجابات واضحة.
في هذا الإطار، توقف عدد من المعلقين الإسرائيليين حول هذه الأسئلة، حتى إن بعضهم رأى أنه ما من سبب للاحتفال، فيما توجه آخرون بالانتقادات الشديدة إلى أداء الشرطة و«الشاباك» واخفاقاتهما في هذه القضية.
ورأى المحلل العسكري في صحيفة «يديعوت احرونوت»، أليكس فيشمان، أن هذه الحادثة «كشفت عن أسئلة كثيرة وصعبة، يتقزم إزاءها الإنجاز المهني»، لافتا إلى أنه اذا كان هناك اختبار للأجهزة المهنية فهو «اختبار معالجة قلق الجمهور... واختبار الذعر». في النتيجة، يرى فيشمان أن «الفشل كان مدويا»، كما لفت إلى ما سماه «ثقبا أسود استخباريا ضخما»، مؤكدا أن «الشرطة والشاباك لا يعرفان شيئا عما يحدث في وادي عارة، وفي المجتمع العربي».
كذلك رأى المعلق العسكري في صحيفة «هآرتس» عاموس هرئيل، أن ما حدث خلال الأسبوع الماضي «ليس مصدر فخر للأجهزة الأمنية»، بل تساءل عن كيفية تمكن ملحم من إطلاق النار في تل أبيب ثم العودة إلى وادي عارة من دون أي عقبات. وما يعزز الفشل الإسرائيلي تمكن الشاب من البقاء لعدة أيام والحصول على مساعدة «من دون أن يبلغ أحد عن ذلك». ورأى هرئيل أن ما جرى «يؤشر على وجود ضعف استخباري في كل ما يتعلق بإحباط الإرهاب الذي ينفذه فلسطينيو الـ48، بالقياس إلى ما ينفذه الفلسطينيون في الضفة والقطاع».
في الخلاصة، يمكن القول إن التقارير الإعلامية الإسرائيلية أجمعت على أن أسئلة كثيرة بقيت مفتوحة: هل كانت عملية تل أبيب تنفيذا لتوجيهات من احد فصائل المقاومة؟ وهل قدم له أحد المساعدة ومن هم وهل كانوا يعرفون بطبيعة العملية التي يريد تنفيذها مسبقا أم لا؟ وكيف نجح في الهرب من تل أبيب إلى الشمال من دون أن يتمكن أي شرطي من القبض عليه؟ وهل خطط لتنفيذ عملية إضافية؟ وما هي دوافعه الحقيقية لتنفيذ العملية؟
مع ذلك، ينبغي القول إن الإعلام الإسرائيلي تناغم في الأيام الماضية مع لعبة التضليل التي مارستها الأجهزة الأمنية. ويبدو أن نشر التقارير التي تحدثت عن تنقلات ملحم بعد عملية تل أبيب، ومنها انتقاله إلى الضفة كان الهدف منها إشعاره بالاطمئنان ودفعه إلى التحرك كي يصبح عرضة لارتكاب الأخطاء ثم الانكشاف، فضلا عن أن هذه التقارير هدفت، من ضمن أمور أخرى، إلى طمأنة الجمهور الإسرائيلي إلى ابتعاد الخطر، بعد التقارير التي تحدثت عن إمكانية أن يكون الشاب قد خطط خلال اختفائه لتنفيذ عملية أخرى.