تواصل فرق الإطفاء الإسرائيلية محاولات السيطرة على أكثر من 220 حريقاً اندلعت، منذ أول من أمس، في مناطق متفرقة من فلسطين المحتلة عام 1948، من بينها 189 حريقاً شبّت في مناطق حرجية مفتوحة، وأخرى في مدن وقرى في الجليل، خاصة يركا وحيفا وشفا عمر وأم الفحم المأهولة بالسكان الفلسطينيين، فيما اندلعت حرائق أخرى قرب مواقع عسكرية إسرائيلية، أُخلي إثرها جنود العدوّ من قواعدهم.


وكان الحريق الأول قد اندلع في منطقة «زخرون يعكوف»، وفق ما ذكرت وسائل إعلام عبرية، مضيفةً أنه بعد أكثر من 29 ساعة متواصلة استطاعت أطقم الإطفاء إخماد النيران التي تسبّبت في أضرار مادية، وأجهزت على عددٍ من البيوت بعدما أخلي منها السكان.
بعد ذلك، ذكرت «سلطة الإطفاء» للإعلام العربي أن حرائق اندلعت، أمس، في مستوطنة «موديعين» قرب القدس المحتلة، وأخرى في أحراج العقادة في مدينة أم الفحم حيث أخليت المنازل، ثم اندلعت أكثر من سبعة حرائق في أماكن متفرقة من حيفا، أصيب إثرها أكثر من مئة شخص جراء استنشاق الدخان، كما أخلي أكثر من 90 ألف شخص من أحياء كاملة في المدينة، إضافة إلى مدارس ورياض أطفال، وجامعة حيفا وكلية الطب في معهد «التخنيون»، بالقرب من مستشفى «رمبام».
كذلك أخلي نحو 600 سجين بينهم أسيرات فلسطينيات، وسجناء جنائيون، و150 سجاناً من سجني الدامون والكرمل. وفي أعقاب امتداد اللهب إلى أكثر من منطقة، تقرر إغلاق مطار حيفا ومحطة القطار المركزية، إلى أن أعلنت الشرطة الإسرائيلية حالة الطوارئ في المدينة، واستدعت كتيبتين من جنود الاحتياط للمساعدة في إخماد الحرائق.
مشاهد النيران التي تجتاح الأراضي المحتلة ذكّرت الإسرائيليين والفلسطينيين على حدّ سواء بحريق جبل الكرمل الضخم في 2010، الذي استمر لحوالى أسبوع قبل أن يُخمد بمساعدة دول عدة، منها روسيا والولايات المتحدة، وقُتل جراءه 44 شرطياً وسجاناً إسرائيلياً كانوا قد خرجوا في حافلة من «الدامون» هرباً من الحرائق التي اجتاحت المنطقة.
تلك الكارثة، التي مضى عليها ست سنوات، دفعت الإسرائيليين إلى السؤال عن مدى جاهزية الجبهة الداخلية في مواجهة الكوارث، في ظل أن «سلطة الحرائق والإنقاذ» الإسرائيلية أقرّت قبل ثلاث سنوات خطة لإقامة مناطق عازلة، ولكنّ الخطة لم تطبق سوى في أماكن قليلة.
في هذا السياق، نقلت صحيفة «هآرتس» العبرية عن رئيس بلدية «زخرون يعكوف»، الذي تسلم منصبه قبل بضعة أشهر، قوله إن «البلدية تلقت أوامر بإقامة مناطق عازلة لحماية السكان، لكن هذه مشاريع تكلف ملايين الشواقل، وتستغرق سنيناً لإتمامها، إضافة إلى أن السكان يرفضون قطع الأشجار لتنفيذ المشاريع».


عدد كبير من
الدول لبّى الاستغاثة الإسرائيلية في مقدمتها تركيا وروسيا


مع استمرار الحرائق وامتدادها في ظل عجز أطقم الإطفاء الإسرائيلية عن السيطرة عليها، اضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى طلب مساعدة دولية من روسيا وتركيا وقبرص واليونان وإيطاليا وفرنسا، وقد وصلت الليلة الماضية 12 طائرة إطفاء كل منها محملة بعشرة أطنان من المواد المثبطة للاشتعال. كذلك طلبت إسرائيل في وقت متأخر أمس من إسبانيا والبرتغال والولايات المتحدة إرسال طائراتها للمساعدة، لذا من المتوقع أن تصل طائرة «سوبرتانكير» الأميركية، التي شاركت في إخماد حريق الكرمل عام 2010، وهي قادرة على حمل حوالى 90 طناً من المواد المانعة للاشتعال.
في أعقاب ذلك، استغلّ وزراء إسرائيليون عجز حكومتهم عن السيطرة على الحرائق، وفشلها في استخلاص العبر من حريق الكرمل، لشن حملة ضد فلسطينيي الـ48 واتهامهم بإشعال الحرائق عمداً. وكان رئيس حكومة العدوّ، بنيامين نتنياهو، أوّل من وجه الاتهام خلال زيارته غرفة عمليات مواجهة الحريق الذي اندلع في «زخرون يعقوب»، وتبعه رئيس حزب «البيت اليهودي»، وزير التربية والتعليم نفتالي بينيت، بالقول: «فقط من لا ينتمي إلى هذه البلاد قادر على إحراقها»، في إشارة واضحة إلى السكان الأصليين من فلسطينيي الداخل. كذلك قال وزير الأمن الداخلي، غلعاد إردان، إن «نصف الحرائق التي اندلعت في البلاد سببها إضرام نار متعمد».
في المقابل، صرّحت المتحدثة باسم الشرطة ميراف لبيدوت، خلال حديثها إلى الإذاعة العامة الإسرائيلية، بأنه «لا يزال مبكراً تحديد أي من الحرائق التي نشبت في الأيام الأخيرة سببها إضرام نار متعمد، إذا كان قد تم تنفيذ أمر كهذا أصلاً، لكن يجري التدقيق في الأمور». وفي وقت سابق، قالت الشرطة، في تعليق على حريق اندلع قرب مستوطنة «دوليف»، إنه «ربما قد يكون سببه أن جندياً إسرائيلياً ألقى سيجارة من دون أن يطفئها».
برصد التصريحات الصادرة عن عدد من المسؤولين الإسرائيلين، يتبيّن منها أن الحرائق تبدو كأنها «مؤامرة كبيرة ضد إسرائيل»، إلى حدّ أن القائم بأعمال خدمات الإطفاء القطرية، شمعون بن نير، صرّح لموقع «واللا» الإسرائيلي بأن «إضرام النار قرب محطة إطفاء في حيفا، ومراكز أخرى، يبدو مفتعلاً... تقديرنا أن الموضوع جرى تنفيذه في إطار محاولة لشل عمل خدمات الإطفاء في المدينة». أمّا رئيس «دائرة التحقيق في سلطة الإنقاذ والإطفاء»، ران شالف، فقال إن «ما بين 60 إلى 70 في المئة من الحرائق كانت متعمدة، فيما النسبة المتبقية هي نتاج الإهمال». وأضاف شالف في حديثه إلى موقع «واينت» التابع لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، أن «التحقيق الأولي يثير الشكوك في أن 4 حرائق في حيفا كانت نتيجة عمل متعمد».
جرّاء ذلك، أوعز وزير الأمن الداخلي جلعاد إردان، بملاحقة «المحرّضين والمشجعين على إضرام النيران على مواقع التواصل الاجتماعي».
إعلامياً، انضم «واينت» إلى «الجوقة»، مختاراً على صفحته الأولى تحت عنوان «انتفاضة الحرائق»، أما «هآرتس» فعنونت بأنه «استناداً إلى تحليل أولي لمواقع الحرائق في اليوم الأخيرين، يتعزز التقدير في جهاز الأمن أن جزءاً من الحالات ناجم عن إضرام نار متعمد، ومن الجائز أنه تم على خلفية قومية». وأضافت: «رغم أن موجة الحرائق سببها الأحوال الجوية التي تسود البلاد، يبدو أنه في مرحلة متأخرة انضم عدد من مضرمي النار، حيث تشير تقديرات جهاز الأمن إلى أن الحديث لا يدور عن نشاط منظم، بل مبادرات محلية».
وإذا كان من صحّة لمساهمة بعضهم في إشعال الحرائق، فهل سيلغي ذلك الحديث عن أن العجز الإسرائيلي عن إطفاء الحرائق وتغطية الأزمة هو سيناريو مصغّر لما يمكن أن تتعرض له فلسطين المحتلة في حال حدوث حرب كبيرة، مع حزب الله مثلاً، سينتج منها بالتأكيد حرائق وخسائر أكبر، خاصة أنها ليست المرة الأولى التي ترسب فيها إسرائيل أمام النار؟