الجزائر | لم يكن متوقعاً في الجزائر أن تسير الأمور بسرعة قصوى. أيامٌ فقط بعد دخول قانون المالية لسنة 2017 حيز التنفيذ بكثير من القرارات اللاشعبية التي تضمنها، شهد العديد من المناطق إضرابات واحتجاجات تنديداً بتراجع القدرة الشرائية للمواطنين أمام موجات الغلاء الكبيرة التي تعرفها البلاد. وانطلقت شرارة هذه الاحتجاجات تحديداً من منطقة القبائل المعروفة بحسها المعارض للسلطة، حيث استجاب تجار ولاية بجاية لدعوات إضراب شامل وإغلاق محالهم يوم الاثنين الماضي، الأمر الذي تم بشكل واسع في المدينة على الرغم من عدم وضوح مصدر هذه الدعوات إلى الإضراب.


وسرعان ما تحوّل جو المدينة الهادئ في بجاية (250 كلم شرقي العاصمة) إلى أحداث شغب بين مجموعة من الشباب وقوات الأمن، تخللتها عمليات تكسير للمحال التجارية وأعمال سرقة وحرق للممتلكات العمومية، وهو ما استهجنه كثير من الناشطين الحقوقيين الذين أشاروا إلى أنّ مصدر هذه التصرفات مجهول، وأنّ تلك المجموعات لا تمثل التجار المضربين.
وامتدت موجة الاحتجاجات بعد التغطية الواسعة التي عرفتها أحداث بجاية على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى الولايات المجاورة مثل البويرة وبومرداس، ووصلت أخيراً إلى الجزائر العاصمة التي عرفت بعض أحيائها الشعبية، مثل الكاليتوس وعين البنيان، بعض المناوشات الليلية، إضافة إلى قطع بعض الطرقات.
ورغم الدلالات الرمزية الكبيرة لهكذا احتجاجات في بلد مثل الجزائر، فإنها بقيت محصورة في نطاق ضيق لم يصل إلى الدرجة التي تعبّر فعلاً عن انخراط قطاع واسع من الجزائريين فيها. وإن فئة واسعة استقبلتها بنوع من الريبة والتشكيك في مصدرها، وطرح الكثيرون عبر الوسائل التي يتاح لهم التعبير من خلالها تساؤلات عن أحداث العنف التي لقيت استهجاناً واسعاً.
وسادت لبرهة من الزمن مخاوف من انزلاق الوضع إلى المجهول، وامتلأت صفحات «فايسبوك» بصور الخراب والدمار التي تشهدها دول في محيط الجزائر، وأعيد استحضار ما عاشته البلاد خلال التسعينيات، حين كانت أولى الدول في العالم العربي التي عانت من ظاهرة الإرهاب وغياب الأمن الذي ساد لأكثر من عشر سنوات.
هذه المخاوف برزت على الرغم من شعور الظلم الذي يسكن قطاعاً واسعاً من الجزائريين، بسبب تدهور مستواهم المعيشي والغلاء الفاحش المستشري في المواد والسلع الغذائية، وارتفاع مستويات البطالة وتدني الخدمات العمومية، وتراجع الإنفاق على المشاريع ذات الطابع العمومي، فضلاً عن التراجع المريع في قيمة الدينار الجزائري أمام العملات الأجنبية الرئيسية.
في المقابل، فإنّ أصواتاً أخرى، على غرار الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، رفضت الانخراط في حملة التخويف من مجرد احتجاجات سلمية في البلاد، واعتبرت أنّ ذلك يصب في مصلحة السلطة التي تريد «استغلال الأحداث في تشويه سمعة أي حراك سلمي»، وبالتالي المساهمة في الإبقاء على الوضع القائم وتسيير البلاد على طريقتها، من دون مراعاة أي مطلب شعبي مهما كانت شرعيته.
أما سياسياً، فقد استُقبلت الاحتجاجات بدرجات متفاوتة من التحليل والاهتمام من قبل الموالاة والمعارضة. وقال حسين خلدون، وهو مسؤول الإعلام في جبهة التحرير الوطني (حزب الأغلبية البرلمانية)، إن ثمة شائعات وصوراً مفبركة حاولت اصطناع احتجاجات من العدم، محملاً المسؤولية لأطراف مجهولة تعمل من وراء شاشات الكمبيوتر على مواقع التواصل الاجتماعي لدفع الناس إلى الاحتجاج. واستبعد خلدون في تصريح لـ»الأخبار» أن يكون لقانون المالية 2017 (مشروع الموازنة العامة) تأثيرات كبيرة بشكل يدفع إلى الاحتجاج «لأنّ الرئيس بوتفليقة أعطى أوامر واضحة بمراعاة عدم المساس بالقدرة الشرائية للجزائريين».
وعلى الرغم من إدانة المعارضة للعنف، فقد اعتبرت أنّ الاحتجاجات على الأوضاع الاجتماعية متوقعة جداً. وفسر «حزب الحرية والعدالة»، في بيان، الاضطرابات التي عاشتها بعض الولايات بـ»الإحساس بالظلم الاجتماعي وتفاقم أزمة الثقة بين الشعب ومؤسساته... وبضعف تأطير الطبقة السياسية للمجتمع، ما شجع على ظهور أساليب احتجاج خارج الأطر السياسية والنقابية القائمة».
بدورها، انتقدت «جبهة القوى الاشتراكية» بشدة ما قالت إنه «تعنّت السلطة في الوقوف ضد أي بديل ديموقراطي، وضد مخرج توافقي للأزمة»، محملة إياها مسؤولية «تدمير الأطر التنظيمية وفضاءات المواطنة، ما يدفع فئات الشعب إلى استعمال العنف».
واكتفت السلطات الرسمية في خضم ذلك، بالتحذير من أي مساس باستقرار الجزائر، فيما توعد وزير الداخلية بالضرب بيد من حديد من دون إعطاء كشف واف عن حقيقة ما حدث، وهو ما اعتبره مختصون خللاً كبيراً في التواصل مع المواطنين الذين تُركوا فريسة للشائعات.