في العاشر من الشهر الجاري، وتنفيذاً لمخرجات «الحوار الوطني» الذي امتد لأشهر، ستعلن الخرطوم حكومتها الجديدة، مستحدثةً منصب رئيس الوزراء، ومشركة حلفاءها من الأحزاب الموالية في السلطتين التنفيذية والتشريعية.


على المستوى السياسي، يجد «حزب المؤتمر الوطني» الحاكم نفسه للمرة الأولى في مربع «حتمية تقديم تنازلات جدية» من حصته في الحكومة. وهو لما يُقارب ثلاثة عقود، كان قد جسّد مدرسة «مسرح الرجل الواحد» على خشبة السياسة السودانية، قابضاً على السلطة المطلقة وتاركاً للأحزاب الحليفه له دوراً يتراوح بين «الكومبارس والجمهور». لكن الفصل الجديد في المشهد السياسي السوداني بات يُلزم الرئيس عمر البشير إجراء تعديل جوهري في «النص السياسي لنظام الحكم»، في وقت ليس فيه أمام حزبه الحاكم فرصة سانحة لتقديم نص بديل يُصاغ بشكل أحادي، وهو إن فعل ذلك سيخسر آخر خيط من تحالفه مع الأحزاب المساندة له.
من جهة أخرى، فقبيل التحضير لتشكيل الحكومة المرتقبة، منح البرلمان رئيس الجمهورية صلاحيات إضافية عبر إجراء تعديلات على الدستور، إلا أنّ بعض النافذين في الحزب الحاكم يتمسكون عبر تصريحات حذرة بأولوية ضم منصب رئيس الوزراء المستحدث إلى حزبهم باعتباره صاحب «الأغلبية البرلمانية»، ما يدلّ على أنّ خطوة نزع المكتسبات السياسية من طرف الحزب الحاكم لن تكون عملية جراحية سياسية سهلة.


يمنّي الموالون أنفسهم
ببعض الحصاد وسط ما يعانيه حليفهم الحاكم


وقبالة الحزب الحاكم، تقف أحزاب «الحوار الوطني» محدّقة في منصب رئيس الوزراء، غير عابئة بضعف لياقتها السياسية إذا ما قورنت بالمعارضة الرافضة بشدة أصلاً للحوار مع الحكومة. وتمنّي الأحزاب الموالية نفسها ببعض حصاد، ليس بسبب ثقلها الجماهيري، ولكن لما يعانيه حليفها الحاكم من حالة يمكن وصفها بـ»التمسك بنصير معلوم، منعاً لمصير محتوم».
تزامناً، تواجه حكومة البشير حركة احتجاج شعبي، تتمظهر عبر العصيان المدني الذي قد كانت نادت به قوى شبابية مدعومة من المعارضة (في ٢٧ تشرين الثاني/ نوفمبر ومنتصف الشهر الماضي). وكان المتابعون السياسيون قد اعتبروا أنّ العصيان المدني يمثّل نقلة في العمل السياسي المعارض في السودان، وخاصة أنه يأتي بمبادرة من تيار شبابي مستقل نجح في توظيف وسائل التواصل الاجتماعي للحشد والتعبئة لأنشطته الاحتجاجية والتي بلغ تأثيرها مرحلة أصبحت تشكّل جزءاً من «الخطابات الجماهيرية» للبشير، وذلك طوال الأسابيع الخمسة الماضية.
جدير بالذكر أنّ الرئيس السوداني هدد الشباب بالحسم الأمني حال انتقالهم من «الكيبورد إلى الشارع» في سياق تحركاتهم ضد السياسات الاقتصادية الحكومية التي رفعت الدعم عن الأدوية والمحروقات.
ويمثّل الاقتصاد المأزوم ضغطاً إضافياً على البشير، إذ تواجه موازنة حكومته للعام ٢٠١٧ عجزاً مهماً (إلى جانب أنّ احتياطات النقد الأجنبي تراجعت منذ 2005 مما يقارب الملياري دولار، لتصل إلى حدود 170 مليون دولار عام 2015)، الأمر الذي أدى إلى تراجع تصنيف السودان، بحسب تصنيف صندوق النقد الدولي الذي يُخضع الخرطوم لشروط برنامج إصلاحاته الهيكلية. وقد وصف «الصندوق»، في آخر تقرير له (تشرين الأول/ اكتوبر 2016)، السودان بأنه «بلد هش وموازنته في وضع حرج»، معتبراً أن الديون الخارجية والمتأخرات تشكلان عبئاً ثقيلاً على آفاق التنمية.
إزاء هذا الوضع المأزوم، يجد البشير نفسه مطالباً بتكوين حكومة محاصصة وفاقية، يُرجح أن تضم عشرات الحقائب، ما بين وزير، ووزير دولة، ووظائف سيادية أخرى بدرجة وزير، إلى جانب نائبي الرئيس ومساعديه والمستشارين وحكام الولايات.
ومن جانب المعارضة الرئيسية، فإنها منقسمة ضمن «تحالف قوى الإجماع الوطني» التي يتزعمها الحزب الشيوعي و»نداء السودان» بقيادة الحركة الشعبية و»حزب الأمة»، إضافة إلى الحركات المسلحه في دارفور. وقد رفضت أي حوار مع الخرطوم ما لم تلتزم الأخيرة بعدة شروط، تبدأ بوقف الحرب وإتاحة الحريات، يليها تفكيك حكومة البشير لمصلحة أخرى انتقالية تضع دستوراً جديداً تجرى على أساسه انتخابات ديموقراطية، وهي شروط يرفضها الحزب الحاكم، وبالتالي فإنّ المعارضة غير معنية بتكوين الحكومة الجديدة.
على المستوى العربي، تحظى الحكومة السودانية بسند اقتصادي خجول ومحدود من السعودية والإمارات وقطر، وهو دعم مرتبط باتفاقات تمليك أراضٍ زراعية شاسعه للاستثمار العربي، ومشروط ببقاء الخرطوم بعيدة عن «ملعب طهران السياسي». وجدير بالذكر، أنه على الصعيد الدولي، فإنّ الحكومة السودانية معزولة ومحاصرة، إذ لا يزال البشير وبعض النافذين في حزبه مطلوبين للعدالة الدولية من قبل المحكمة الجنائية الدولية.
ضمن هذا المشهد، يبقى أنّ الاستحقاق الداخلي الأهم يتمثل خلال هذه الأيام بتشكيل «حكومة الوفاق»، وبما سيعقبها من تداعيات سياسية من شأنها تحديد مستقبل الصراع السياسي في السودان.