في الجولات العسكرية التي يشنّها تحالف العدوان ضد اليمن بصورة متكررة، تعطى لتلك الجولات عناوين لتحصيل مكاسب ميدانية خدمة للمسار السياسي، ثم يجري العمل على تحصيلها خلال الجولات التفاوضية في أكثر من عاصمة عربية أو عالمية، أو يصار إلى إظهار القوة وتحصيل التوازن في الردع مقابل الصمود العسكري لقوات الجيش و«اللجان الشعبية» اليمنية.


في هذا السياق، جاءت حلقة التصعيد العسكري الأخيرة، التي رافقتها حملات إعلامية وسياسية متوترة شنّها التحالف، لكنها اختلفت عن السابق لجهة أنه لم يسبقها، أو تتزامن، مع بدء المسار السياسي عبر المفاوضات الدبلوماسية كالعادة.
لم يكن أمام المطّلعين والخبراء سوى تفسير واحد للتصعيد، هو أن التحالف بقيادة السعودية أراد تقديم نفسه أمام الإدارة الأميركية الجديدة، في العشرين من الشهر الجاري، في موقع المرجّح والمؤثر في ميزان الحرب التي يشنّها، خصوصاً أن لدى التحالف السعودي خشية متنامية من فقدان المبرر من إطالة أمد الحرب، ومن أن تصل الإدارة الجديدة إلى النتيجة نفسها التي وصلت إليها إدارة باراك أوباما، وهي عجز التحالف عن تحقيق أي من أهدافه. وقد ذهب الأخير، عبر وزير الخارجية جون كيري، إلى طرح مبادرته التي هي وفق الرأي الأميركي «حل وسط» بين الطرفين، لكن الجانب السعودي رفضها باعتبارها تحدث خللاً بنيوياً لمصلحة صنعاء.
التصعيد العسكري السعودي شمل كل الجبهات، وهذه المرة أضيفت إليها جبهة مديرية بيحان في محافظة شبوة الجنوبية شرقي البلاد. وبالفعل أحرز حلفاء السعودية بعض التقدم في الأسبوع الماضي، مترافقاً مع ضجيج إعلامي ودعائي صاخب، لكن الجيش و«اللجان الشعبية» سرعان ما استعادوا زمام المبادرة واسترجعوا كل النقاط التي خسروها مع تحسين إضافي في الخطوط الدفاعية الجديدة، لتبدأ الاستغاثة وطلب النجدة من المطبلين، مع إلقاء التهم بالخذلان وبالفرار، وهذه المرة أيضاً كيلت التهم إلى التحالف نفسه بترك الحلفاء من دون غطاء جوي مساند رغم صحراوية المنطقة.
الوضعيات العسكرية للتحالف السعودي ولليمنيين الملتحقين به لم تختلف عن جبهة بيحان؛ فجبهة فرضة نهم شرق صنعاء لا تزال السيطرة فيها كاملة لقوى الجيش و«اللجان» رغم زيارة المساندة والدعم لنائب الرئيس علي محسن الأحمر للجبهة واطلاعه وإدارته المباشرة لقواته مع تزويدهم بأحدث الأسلحة والمعدات. الشيء نفسه ينطبق على جبهة ميدي حيث الوضعية الأخيرة فيها لمصلحة الجيش اليمني الذي أحبط عشرات الزحوف السعودية رغم صحراوية المنطقة وأفضلية الرؤية فيها للزحوف.
أما الجبهات الداخلية في تعز ومأرب، فجاء التقدم فيها كذلك للجيش ولـ«اللجان الشعبية» بوضوح، وهذا معترف به لدى إعلام الطرف الآخر الذي يظهر الإخفاق والفشل الميداني لقواته من أجل المزايدة في إطار الصراع القائم بين أطراف الشرعية نفسها. واللافت هذه المرة أن القوى العسكرية المحسوبة على شرعية الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي ظهر عليها العجز وفقدان الأمل في تحقيق النتائج وعبثية استمرار الحرب، كذلك ظهر أن الهمّ الأساسي لضباط ولجنود هذه القوى هو وضعهم المعيشي وكيفية تحصيل رواتبهم، فضلاً عن أن المشهد المألوف هو الانشقاقات العسكرية وخروج ألوية وكتائب بأكملها عن أوامر الشرعية.
لم يعد أمام الجانب السعودي من خيارات سوى الاستمرار في تكرار المكرر. وحتى لو راهنت الرياض على ليّ ذراع صنعاء باللعب بالورقة الاقتصادية وزيادة الحصار البري والجوي والبحري، فإن الشعب اليمني اعتاد الصمود ورفض الإذعان، وهو يرسل يومياً إشارات على إحباط ذلك الخيار، كما أنه ملتزم في القضايا الكبرى. وأنه ليس أمام السعودية سوى التزام الخيار السياسي كخيار وحيد للخروج من المأزق الذي وضعت نفسها فيه. أيضاً، أياً تكن سياسة الإدارة الاميركية الجديدة، فإن خيار اليمن يصنع بتضحيات شعبه التي لا يمكنه التنازل عنها.